ذروة الحرارة والرطوبة.. حكاية شهر "أبيب" الذي ينتظره المصريون بعد أيام
يستعد المصريون خلال أيام لاستقبال شهر أبيب، أحد أشهر السنة القبطية وأكثرها ارتباطًا بالطقس شديد الحرارة، إذ يعرف منذ آلاف السنين بلقب "أبو اللهاليب"، وهو اللقب الذي أطلقه المصريون القدماء تعبيرًا عن شدة حرارة الشمس خلال تلك الفترة من العام، والتي تتزامن مع ذروة فصل الصيف وارتفاع معدلات الرطوبة، مما يجعل الشهر محطة فارقة للزراعة والإنسان على حد سواء.
ويحتل شهر أبيب المرتبة الحادية عشرة في التقويم القبطي، ويبدأ هذا العام في 8 يوليو ويستمر حتى 6 أغسطس، ويعد ثالث أشهر موسم "شمو" أو موسم الحصاد لدى المصريين القدماء، كما ارتبط تاريخيًا بموسم نضج العنب وبداية ارتفاع مياه النيل في زمن الفيضان، وهو ما جعله يحظى بمكانة خاصة في التراث الزراعي والشعبي المصري.
لماذا سُمي شهر أبيب بـ«أبو اللهاليب»؟
يرجع اسم "أبيب" إلى الحضارة المصرية القديمة، إذ تشير الروايات التاريخية إلى أنه سمي نسبة إلى الإله "أبيفي" أو "أبيب"، بينما تذهب روايات أخرى إلى ارتباطه بالإله "هابي" رمز الخير والفرح والنيل، وبمرور الزمن، التصق بالشهر لقب "أبو اللهاليب" نتيجة الحرارة الشديدة التي تميزه، حتى أصبح الاسم متداولًا بين الفلاحين والمصريين باعتباره أكثر شهور العام قسوة مناخيًا.
وبحسب المؤرخون، فأن شهر أبيب كان يمثل مرحلة مهمة في حياة المصري القديم، حيث تتداخل فيه مواسم الزراعة والحصاد مع بدايات فيضان النيل، لذلك ارتبط بالخير والخصوبة رغم قسوة الأجواء، إذ كان الفيضان يمثل شريان الحياة الذي تعتمد عليه الزراعة في مصر القديمة.
أمثال شعبية وثقت طبيعة الشهر
احتفظ التراث الشعبي بعدد كبير من الأمثال التي تصف طبيعة شهر أبيب، وجميعها جاءت انعكاسًا لما يشهده من تغيرات مناخية وزراعية، ومن أشهرها، "أبيب أبو اللهاليب" في إشارة إلى شدة الحرارة، "أبيب طباخ العنب والزبيب" لأن الشهر يشهد اكتمال نضج العنب والفواكه الصيفية، كما يقول الفلاحون، "أبيب فيه العنب يطيب"، في دلالة على موسم حصاد العنب، بينما يعكس المثل "أبيب مية النيل فيه تريب" ارتباط الشهر ببدايات ارتفاع مياه النيل قديمًا، في حين يحمل المثل "إن كلت ملوخية في أبيب هات لبطنك طبيب" دلالة على العادات الغذائية التي ارتبطت بهذا الشهر منذ القدم.
التقويم القبطي وعلاقته بالمواسم الزراعية
يعتمد التقويم القبطي على الدورة النجمية لنجم الشعرى اليمانية، ويتكون من 13 شهرًا، بواقع 30 يومًا لكل شهر، إضافة إلى شهر صغير يسمى "النسيء"، وهو من أكثر التقاويم ارتباطًا بالمواسم الزراعية، لذلك لا يزال المزارعون يعتمدون عليه حتى اليوم في تحديد مواعيد الزراعة والحصاد والتعامل مع التغيرات المناخية.
ويمثل شهر أبيب مرحلة انتقالية شديدة الحساسية بالنسبة للمحاصيل الصيفية، إذ ترتفع درجات الحرارة إلى ذروتها بالتزامن مع زيادة معدلات الرطوبة، وهو ما يضاعف من الضغوط الواقعة على النباتات ويؤثر بصورة مباشرة على الإنتاج الزراعي.
مركز معلومات تغير المناخ يحذر من أخطر مراحل الصيف
وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ والنظم الخبيرة بمركز البحوث الزراعية، أن الأيام الأخيرة من شهر بؤونة وبداية شهر أبيب تمثل أخطر الفترات المناخية على القطاع الزراعي، نتيجة الارتفاع الكبير في درجات الحرارة المصحوب بزيادة واضحة في نسب الرطوبة.
وأوضح أن هذه الظروف المناخية لا تعني فقط ارتفاع درجة حرارة الهواء، وإنما زيادة الحمل الحراري الكامل الذي تتعرض له النباتات، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع حرارة الأوراق والثمار، وزيادة معدلات فقد المياه، وإجهاد الجذور، وضعف عمليات التلقيح والعقد، فضلًا عن ارتفاع احتمالات إصابة الثمار بلسعات الشمس والتشقق.
المحاصيل تدخل اختبارًا حقيقيًا مع بداية أبيب
وأشار رئيس مركز معلومات تغير المناخ إلى أن شهر أبيب يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المحاصيل الزراعية على الصمود، خاصة مع استمرار موجات الحر المتتالية، مؤكدًا أن الإدارة الجيدة للري والتسميد والمتابعة المستمرة للحقول أصبحت عوامل حاسمة للحفاظ على الإنتاج خلال هذه الفترة.
كما شدد على أهمية الالتزام بالتوصيات الزراعية الخاصة بتقارب فترات الري، وتجنب الري وقت الظهيرة، ودعم النباتات بالعناصر الغذائية المناسبة، مع تكثيف متابعة الآفات التي تنشط خلال الأجواء الحارة والرطبة، مشيرًا إلى أن الوقاية والتشخيص المبكر يظلان أقل تكلفة وأكثر فاعلية من معالجة الأضرار بعد وقوعها.
تغير المناخ يفرض واقعًا جديدًا على الزراعة المصرية
ومع تكرار موجات الحرارة الشديدة خلال السنوات الأخيرة، لم يعد شهر أبيب مجرد شهر عرفه المصريون القدماء بحرارته المرتفعة، بل أصبح يمثل مؤشرًا واضحًا على تأثيرات التغيرات المناخية التي تواجهها الزراعة المصرية، وهو ما يتطلب استعدادًا أكبر من المزارعين للحفاظ على المحاصيل وتقليل الفاقد.
ويؤكد خبراء المناخ أن الالتزام بالإرشادات الفنية، والمتابعة اليومية للحالة الجوية، والتعامل السريع مع أي تغيرات تطرأ على النباتات، أصبحت أدوات أساسية لعبور فترة "أبو اللهاليب" بأقل خسائر ممكنة، والحفاظ على جودة الإنتاج الزراعي في واحدة من أصعب فترات العام.







