رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من العدوان الثلاثى إلي الأعتراف الدولي بدولة فلسطين

الدبلوماسية المصرية.. مواجهة مفتوحة مع إسرائيل

جانب من مفاوضات طابا
جانب من مفاوضات طابا

لا صوت يعلو فوق صوت مصر؛ هكذا كانت، وستظل، وستستمر مصر لتحقق الانتصارات العسكرية والسياسية، فالدولة المصرية، صاحبة التاريخ والحاضر والمستقبل، ستظل رمزاً للحضارة والانتصار،هذا ما تحقق بفضل الدبلوماسية المصرية على مر تاريخها، والتي استطاعت أن تكتب بسطور من نور انتصارات سياسية على الكيان الإسرائيلي.

على الرغم من الدعم اللا محدود للكيان الإسرائيلي من قِبَل الدول الكبرى، إلا أن مصر، بإرادتها السياسية والدولية، دائماً وأبداً ما تنتصر مهما كانت الصعوبات، تجد مصر في إبان العدوان الثلاثي (1956) تقهره بالدبلوماسية والسياسة، بحشد دولي هو الأقوى، مُرغِمة الجميع على احترام السيادة الدولية، وتستمر مصر في هذا النهج حتى تستطيع أن تقهر المحتل الإسرائيلي وتحقق الانتصار الأكبر، بحشد دولي كبير واعتراف دول لم يكن يظن أحد يوماً أنها ستعترف بدولة فلسطين.

"إيجبتك" تستعرض في السطور القادمة تاريخ الانتصارات السياسية المصرية على الكيان الإسرائيلي المحتل، وكيف أن مصر استطاعت بفضل سياستها الحكيمة على مدار التاريخ أن تفرض إرادتها وتحقق الانتصار تلو الانتصار. 

 

بدأت القصة عام 1956، عندما صدم العالم بعدوان غاشم استهدف السيادة المصرية من قبل بريطانيا وفرنسا، بدعم من إسرائيل، الدولة الناشئة آنذاك، اعتراضًا على قرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس، ولكن في عالم الدبلوماسية، حيث تُكتب التاريخ بالكلمات لا بالسيوف، وعلى الرغم من التفوق العسكري للغزاة، كان الانتصار المصري حاسمًا على الجبهة السياسية والدبلوماسية.

 استطاعت مصر بقيادة عبد الناصر أن تقهر هذا العدوان الغاشم، ليس فقط بحشد دعم دولي وعالمي غير مسبوق، بل أيضًا بصناعة اتحاد بين القوتين الأعظم آنذاك، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، في اتفاق تاريخي هو الأول من نوعه بينهما، فقد ضغطت الولايات المتحدة بشدة على حلفائها الأوروبيين، خاصة بريطانيا، بينما هدد الاتحاد السوفيتي بالتدخل، لتكون النتيجة انتصارًا كبيرًا أُجبرت فيه القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية على الانسحاب الكامل من الأراضي المصرية. كان هذا الانتصار السياسي بمثابة نقطة تحول أكدت السيادة المصرية وعززت مكانتها كقائدة للحركة العربية.

اللاءات الثلاث

بعد نكسة يونيو 1967 واحتلال سيناء، كان الهدف الإسرائيلي إملاء شروط الاستسلام على الدول العربية. إلا أن الدبلوماسية المصرية، كعادتها، رفضت الانكسار، ونجحت في توحيد الصف العربي، محققة انتصارًا عظيمًا عبر قرارات "اللاءات الثلاث" التاريخية: لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض مع إسرائيل، في مؤتمر القمة العربي بالخرطوم عام 1967. شكّل هذا المؤتمر درعًا سياسيًا حال دون استغلال إسرائيل لانتصارها العسكري، ووضع الأساس لـ"حرب الاستنزاف" و"حرب أكتوبر"، مؤكدًا أن الصمود السياسي العربي لم ينكسر.

جنيف

وانتهت النكسة، وجاء الانتصار العسكري في أكتوبر 1973، حيث قضت مصر على العنجهية الإسرائيلية عسكريًا،لكن مصر لم تكتفِ بالانتصار العسكري، بل حققت انتصارًا دبلوماسيًا بتوقيع معاهدة السلام عام 1979، التي حاولت إسرائيل عرقلتها برفض الانسحاب من منطقة طابا الحدودية، فلجأت مصر إلى التحكيم الدولي لحسم هذه القضية، ونجحت الدبلوماسية المصرية في نقل النزاع إلى هيئة تحكيم دولية في جنيف. وفي عام 1988، أصدرت الهيئة قرارها لصالح مصر، ليُرفع العلم المصري على طابا في مارس 1989. ولعل الأهمية السياسية لهذا الانتصار تكمن في إثبات قدرة مصر على استرداد أراضيها بالكامل عبر آليات القانون الدولي، محققة تفوقًا قانونيًا ودبلوماسيًا على العناد الإسرائيلي.

مؤتمر مدريد

ورغم الانتصار العسكري وانتهاء عصر المواجهات العسكرية، لم تتوقف المواجهات السياسية. استمرت مصر في لعب دور محوري في قيادة مسيرة السلام العربي-الإسرائيلي، معتمدة على ثقلها وخبرتها، متفوقة على محاولات إسرائيل لتهميش الدور العربي الجماعي. ففي مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، شاركت مصر بقوة لضمان إطلاق مسار متعدد الأطراف، يؤسس للتفاوض على أساس مبدأ الأرض مقابل السلام وقرارات الشرعية الدولية 242 و338. ليس هذا فحسب، بل دعمت مصر مسار أوسلو، بتدعيم جهود منظمة التحرير الفلسطينية للوصول إلى اتفاقات أوسلو عام 1993، وواصلت لعب دور الضامن والداعم للقضية الفلسطينية في كافة مراحل المفاوضات اللاحقة.

اعتراف دولي

وفي ظل الجمود الحالي للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وتصاعد العدوان، كثفت مصر جهودها لحماية الحقوق الفلسطينية عبر حشد الاعتراف الدولي بدولة فلسطين ،نجحت الدبلوماسية المصرية في الدفع باتجاه الاعتراف بدولة فلسطين، عبر حشد الدعم الأوروبي، مما أسفر مؤخرًا عن اعتراف دول أوروبية رئيسية بدولة فلسطين، أبرزها بريطانيا، صاحبة وعد بلفور ومؤسسة إسرائيل المزعومة، إلى جانب فرنسا وإسبانيا والبرتغال وغيرها من الدول التي كانت تقف دائمًا على الحياد ولم تعترف بدولة فلسطين. لكن لا مستحيل مع الدبلوماسية المصرية، التي انتزعت هذا الاعتراف والدعم الدولي. فمصر كانت وما زالت في طليعة الدول التي تطالب بالعضوية الكاملة لفلسطين في الأمم المتحدة، تُدين ممارسات إسرائيل، وتنتزع قرارات دولية تدعم الحقوق الفلسطينية وترفض التهجير القسري. تؤكد هذه الانتصارات أن دور مصر لم يتراجع، وأن قوتها الدبلوماسية قادرة على تشكيل المواقف الدولية وإجبار إسرائيل على الامتثال للقانون والشرعية، سواء عبر استرداد الأراضي أو تحقيق مكاسب سياسية للقضية الفلسطينية.

العصا والجزرة

يقول السفير رخا أحمد حسن مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن إنشاء إسرائيل عام 1948 جاء ضمن أهداف استعمارية لفصل المشرق العربي عن المغرب، خاصة مصر عن منطقة الشرق الأدنى التي تشمل فلسطين التاريخية والأردن وسوريا ولبنان.

ويضيف أن إسرائيل نشأت في فترة نهاية الاستعمار التقليدي بعد الحرب العالمية الثانية، وارتبطت أولاً ببريطانيا ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة.

السفير رخا أحمد حسن: فلسطين جزء من الأمن القومي المصري

ويؤكد أن فلسطين الكبرى جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وأن مصر دعمت القضية الفلسطينية دائمًا، من خلال مؤتمر مدريد الذي فرض وجود جانب فلسطيني في المفاوضات، واتفاق أوسلو الذي استشار فيه الفلسطينيون مصر، رغم إفشال إسرائيل للعملية بسبب طموحاتها الاستيطانية، مشيرًا إلى اغتيال إسحاق رابين كدليل على ذلك.

السفير رخا أحمد حسن مساعد وزير الخارجية الأسبق
السفير رخا أحمد حسن مساعد وزير الخارجية الأسبق

ويشدد على أن الموقف المصري من الأزمة الفلسطينية، خاصة بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، يمثل "تفوقًا دبلوماسيًا" في مواجهة الضغوط والإغراءات الدولية الهائلة، مؤكدًا أن الأمن القومي المصري مرتبط بشكل عضوي بالقضية الفلسطينية.

ويوضح أن مصر استطاعت الحفاظ على ثوابتها برفضها القاطع لمخططات التهجير القسري لأهالي غزة إلى سيناء، وهو موقف تم اتخاذه على أعلى مستوى سياسي. ويعتبر أن هذا الرفض يمثل تفوقًا كبيرًا في مواجهة "العصا والجزرة" الأمريكية والإغراءات المالية الضخمة.

ويبرز أن مصر خاضت معارك سياسية ودبلوماسية كبرى حول القضية الفلسطينية، منذ العدوان الثلاثي عام 1956، الذي حققت فيه انتصارًا سياسيًا كبيرًا رغم التفوق العسكري للخصوم، مرورًا بانتصار أكتوبر 1973، وصولاً إلى استرداد طابا بفضل "الحنكة القانونية والسياسية".

ويكمل أن الموقف المصري الحالي يرتكز على نقطتين أساسيتين: الأولى هي الرفض التام للتهجير، حيث ترى مصر أن هذا المخطط يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية وتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري والأردني. والثانية هي أنه لا سلام بدون دولة فلسطينية، فمصر تواصل تأكيدها لكل الضيوف والزوار الدوليين على أن "لن يتحقق السلام والاستقرار لإسرائيل إلا بإقامة الدولة الفلسطينية" على حدود 1967، وفقًا لقرار الأمم المتحدة الذي أوجد إسرائيل أصلاً.

وعن موجة الاعتراف الدولي المتصاعدة بالدولة الفلسطينية، يشير مساعد وزير الخارجية الأسبق إلى أنها تأتي نتيجة لسببين رئيسيين: الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل في غزة، والتي حركت الرأي العام الأوروبي بقوة، والحملة الدبلوماسية الدولية التي قادتها دول رئيسية. فقد تبنت المملكة العربية السعودية فكرة تحالف دولي لإقامة حل الدولتين والاعتراف بالدولة الفلسطينية، وانضمت إليها فرنسا. وقد أيدت مصر هذا المسعى بكل قوة، وساهمت الدبلوماسية المصرية في هذه الجهود مع السعودية وفرنسا، مؤكدة على ضرورة إقامة الدولة الفلسطينية.

وفي سياق خطط إعادة إعمار غزة، حذر السفير حسن من مخططات يتم تداولها، كخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي ترمي إلى تحويل غزة إلى "ريفييرا ومركز تجاري عالمي" وإسناد ملف الإدارة لشخصيات مثل توني بلير، مما قد يحول الأمر إلى شكل من أشكال "الاحتلال الأمريكي الإسرائيلي الجديد".

ودعا إلى ضرورة إشراك الأمم المتحدة، بدلاً من ترك خطة إعادة الإعمار لتكون عملية "أمريكية إسرائيلية"، مطالباً بقرار أممي لوقف إطلاق النار والإشراف على عملية التعمير.

واختتم السفير رخا أحمد حسن حديثه قائلاً إن مشهد انسحاب 80% من الوفود خلال كلمة رئيس وزراء إسرائيل في الجمعية العامة للأمم المتحدة كان بمثابة "هزيمة سياسية مدوية" لإسرائيل، نتيجة لـ"السياسة العدوانية والإبادة الجماعية" التي تمارسها.

الحدود الشرقية

وفي نفس السياق، يؤكد السفير حسين الهريدي مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن العلاقة بين مصر وإسرائيل منذ عام 1948 وحتى الآن هي علاقة "مواجهة مستمرة وممتدة"، وليست مجرد تنافس أو تفاوض، وأن هذه المواجهة لن تتوقف إلا بقيام دولة فلسطين المستقلة على حدود معترف بها دوليًا.

السفير حسين الهريدي: الدبلوماسية المصرية صاحبة الصوت الأقوى

ويوضح أن وجود إسرائيل على الحدود الشرقية لمصر يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري، مما جعل المواجهة مستمرة وتأخذ أشكالاً مختلفة عبر التاريخ. فقبل معاهدة السلام (1948 – 1979): كانت المواجهة مزيجًا من الدبلوماسية والحرب، ولكن بعد معاهدة السلام، بداية من (1979 إلى الآن)، تحولت إلى مواجهة دبلوماسية وسياسية، تستغل فيها مصر علاقاتها العربية والدولية لإحقاق الحقوق الفلسطينية.

ويشدد هريدي على أن الدبلوماسية المصرية أثبتت دائمًا أنها "صاحبة الصوت الأقوى" في ملفات المواجهة مع إسرائيل، مستفيدة من مكانة مصر الدولية كدولة رائدة في حركة عدم الانحياز ودول العالم الثالث.

السفير حسين الهريدي مساعد وزير الخارجية الأسبق
السفير حسين الهريدي مساعد وزير الخارجية الأسبق

ويضيف أن مواقف مصر كانت تحظى بتأييد واسع في الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي كل المؤتمرات الدولية، لأننا دائمًا نقف إلى جانب الحق الفلسطيني، ولنا حق في الدفاع عن حدودنا.

ويكمل أن مصر حققت نجاحات بارزة في هذه المواجهة الممتدة، كان أبرزها الفوز بالتحكيم الدولي في قضية طابا، مما أثبت قوة الموقف القانوني والسياسي المصري في محاربة الاحتلال.

وعن الموقف المصري من القضية الفلسطينية، يؤكد مساعد وزير الخارجية الأسبق أن الموقف المصري بعد 7 أكتوبر 2023 كان نقطة تحول دولية، حيث نجحت الدبلوماسية المصرية في أن تكون "رافعة للمواقف الدولية" عبر ربطها بين أمرين رئيسيين في مؤتمر القاهرة للسلام (أكتوبر 2023): أولاً، رفض التهجير القسري، حيث عبرت مصر عن رفض مطلق ونجاح في التصدي لتصفية القضية؛ والأمر الثاني هو التسوية السياسية، فالدبلوماسية المصرية استطاعت ربط إنهاء العدوان في غزة بعملية تفاوضية تؤدي إلى تنفيذ حل الدولتين وقيام دولة فلسطين المستقلة.

ويوضح أن الاعترافات الدولية الأخيرة بالدولة الفلسطينية، التي صدرت عن دول أوروبية كبيرة مثل فرنسا وبريطانيا والبرتغال، هي "ثمار نجاح" لهذه الرؤية المصرية، مؤكدًا أن خطب وكلمات السيد الرئيس في المحافل الدولية والزيارات الخارجية كانت عنصرًا أساسيًا في تحويل الموقف الدولي باتجاه الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء