رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في كل مرة أحضر فيها ندوة داخل أحد نوادي الأدب، أتذكر فيلم «مرجان أحمد مرجان» للفنان عادل إمام، ذلك العمل الذي حمل بين مشاهده رسالة نقدية ساخرة وقاسية في الوقت نفسه، كشفت أزمات التعليم الخاص، وألقت الضوء أيضًا على حالة الاستسهال التي أصابت بعض المشهد الثقافي والأدبي في مصر.

فما يحدث اليوم داخل عدد من نوادي الأدب يدعو للتأمل؛ إذ أصبح كثيرون يطلقون على أنفسهم لقب «شاعر» أو «مبدع» دون امتلاك الموهبة الحقيقية أو المشروع الثقافي القادر على الاستمرار. فمعرفة البحور والأوزان وحدها لا تصنع شاعرًا، كما أن امتلاك اللغة لا يكفي لإنتاج أدب حقيقي يعيش طويلًا.

المشكلة الأكبر أن بعض هذه المساحات الثقافية تحولت إلى ساحات للمجاملات والنفاق الثقافي، حيث تُفرض أسماء بعينها بحكم العلاقات أو الحضور الاجتماعي أو حتى الإمكانيات المادية، بينما يغيب التقييم الحقيقي القائم على القيمة الفنية والإبداعية.

ولهذا لم تعد بعض نوادي الأدب تقدم الإضافة المنتظرة للمشهد الثقافي، خاصة في مجال الشعر، بعدما أصبح الجميع يدّعي امتلاك الموهبة، في وقت تراجعت فيه القراءة بصورة لافتة.. فالكثير ممن يكتبون لا يقرأون لا الإصدارات الحديثة ولا حتى الأعمال الكلاسيكية التي تشكل أساس الوعي الأدبي.

كما أن أغلب من يرتادون هذه الفعاليات بات اهتمامهم منصبًا على الظهور والصور وكثرة الحضور، لا على تطوير أدواتهم أو بناء مشروعهم الإبداعي. ولهذا نقرأ أحيانًا نصوصًا تبدو مكتملة ظاهريًا، لكنها تفتقد أهم عنصر في الأدب، وهو المتعة الثقافية والمعرفية القادرة على جذب القارئ والبقاء في ذاكرته.

والحقيقة أن هذه المتعة لا يمكن أن تتوافر إلا عبر القراءة المستمرة والانفتاح على مختلف مصادر المعرفة، لأن الكاتب الذي لا يقرأ لا يستطيع أن يطوّر أدواته أو يبني عالمه الخاص..

وأتذكر هنا موقفًا مع أحد الشباب الذي جاءني يحمل رواية طالبًا نشرها، فسألته عن قراءاته السابقة، فأجاب بأنه قرأ رواية واحدة فقط. وقتها قلت له: هل يمكن لمن يقرأ عملاً واحدًا أن يكتب رواية؟

فالقراءة بالنسبة للكاتب تشبه الغذاء بالنسبة للرياضي؛ فكما لا يستطيع لاعب كمال الأجسام أن يبني جسده دون تغذية سليمة، لا يستطيع الكاتب أن يبني نصًا حقيقيًا دون قراءة واسعة ومتنوعة.

وفي موقف آخر داخل أحد نوادي الأدب بالمنصورة، استمعت إلى شاب يقرأ جزءًا من روايته، فسألته عن الروايات التي قرأها قبل الكتابة، فأجاب: «لا شيء». عندها التفت إلى مشرف النادي متسائلًا: كيف نشجع شخصًا على الكتابة وهو لا يهتم بأساسيات الإبداع؟ فالكاتب الذي لا يقرأ، كيف نطلب من الناس أن يقرأوا له؟

وأتذكر أيضًا موقفًا طريفًا عندما كنت أقف أمام بائع الصحف بجوار سور استاد الجامعة، وبرفقتي أحد شعراء العامية، وحين اشتريت جريدة «أخبار الأدب» نظر إليّ بدهشة وقال: «هل توجد جريدة بهذا الاسم؟»، فكانت المفارقة صادمة، لأن من يفترض أنه جزء من الوسط الأدبي لا يعرف حتى واحدة من أهم الصحف الثقافية المتخصصة.

إن أزمة بعض نوادي الأدب اليوم ليست في قلة المواهب، بل في غياب الثقافة الحقيقية، وضعف القراءة، وتحول المشهد أحيانًا إلى مجرد مظاهر وأصوات مرتفعة، بينما يبقى الإبداع الحقيقي قائمًا على المعرفة والوعي والتجربة الإنسانية العميقة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء