رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الروائية بيرل باك.. جسر أدبي وإنساني بين الشرق والغرب جسده الفن

الروائية العالمية
الروائية العالمية بيرل باك

تحل اليوم ذكرى ميلاد الروائية القديرة بيرل باك، واحدة من أبرز القامات الأدبية في القرن العشرين، وول امرأة أمريكية تحصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1938، والتي لم تكن مجرد روائية عادية، بل كانت سفيرة ثقافية نجحت من خلال قلمها في تقريب تفاصيل الحياة الشرقية، خاصة الريف الصيني، إلى مخيلة القارئ الغربي، وتميزت مسيرتها بدمج فريد بين الإبداع الأدبي الغزير والنشاط الإنساني والدفاع عن حقوق الإنسان.

 

النشأة والارتباط بالصين

 

ولدت بيرل في 26 يونيو 1892 في ولاية فرجينيا الغربية بالولايات المتحدة الأمريكية، ولم تكد تبلغ من العمر ثلاثة أشهر حتى انتقلت عائلتها إلى الصين، حيث قضت هناك قرابة الأربعين عاما من حياتها، هذه النشأة الاستثنائية جعلتها تتقن اللغة الصينية وتتشرب الثقافة المحلية وتعيش بتماس مباشر مع الفلاحين البسطاء في القرى.

وتلقت بيرل تعليمها الأولي على يد والدتها، ثم درست لدى عالم كونفوشيوسي علمها التاريخ والفلسفة الصينية، وعادت لاحقا إلى الولايات المتحدة لتنال شهادتها الجامعية في الأدب الإنجليزي من جامعة راندولف ماكون، قبل أن تعود مجددا إلى الصين لتبدأ مسيرتها في التدريس الجامعي والكتابة، وتزوجت من الخبير الاقتصادي الزراعي جون لوسينج باك، وعاشت معه تفاصيل الحياة الريفية القاسية التي ألهمت معظم كتاباتها لاحقا.

 

المسيرة الأدبية والتربع على عرش "نوبل"

 

بدأت بيرل باك في نشر أعمالها في ثلاثينيات القرن العشرين، وكانت محطتها الأبرز رواية "ريح الشرق.. ريح الغرب"  عام 1930، والتي كانت أولى رواياتها، واستكشفت فيها الصدام الثقافي والاجتماعي بين التقاليد الصينية القديمة والحداثة الغربية، ورواية الأرض الطيبة عام 1931 ذلك العمل الأيقوني الذي حقق مبيعات قياسية هائلة ونالت عنه جائزة بوليتزر عام 1932، وتروي الرواية ملحمة الفلاح الصيني "وانج لونج" وزوجته "أو لان" وكفاحهما المرير ضد الفقر والجفاف من أجل الحفاظ على أرضهما، والسيرتين الذاتيتين المتميزتين عن والديها هما "الملاك المحارب" و"المنفى" عام 1936.

وفي عام 1938، توجت الأكاديمية السويدية مسيرتها بمنحها جائزة نوبل في الأدب، وجاء في حيثيات المنح أن الجائزة ركزت على وصفها الملحمي الثري لحياة الفلاحين في الصين، إلى جانب قيمتها الإنسانية التي تمهد الطريق للتعاطف بين الأعراق المختلفة.

 

روايات جسدتها الشاشات

 

وحققت الأفلام المقتبسة عن روايات بيرل باك نجاحا سينمائيا وتاريخيا مبهرا، حيث نجحت هوليوود الكلاسيكية في نقل واقع الحياة الآسيوية إلى الشاشة الغربية بدقة وعاطفة شديدة، ويبرز فيلم "الأرض الطيبة" عام  1937كعلامة فارقة في تاريخ السينما، إذ جسد ببراعة كفاح الفلاحين الصينيين ضد الفقر والطبيعة، ونالت عنه الممثلة لويز راينر جائزة الأوسكار، كما قدم فيلم "بذور التنين" عام1944  معالجة درامية قوية للمقاومة الصينية ضد الغزو الياباني، وشاركت في بطولته النجمة الأسطورية كاثرين هيبورن، مما ساهم في تقريب الثقافة الشرقية للمشاهد الغربي وتخليد الإرث الأدبي للكاتبة.

ولم تقتصر هذه الأعمال على نقل القصص فحسب، بل ركزت بشكل عميق على القضايا الإنسانية المعقدة مثل الحروب وصراع الأديان وحقوق المرأة، ففي فيلم "جناح النساء" عام 2001، تم تسليط الضوء على رغبة المرأة في الاستقلال والحرية داخل المجتمع الصيني التقليدي قبيل الحرب العالمية الثانية، وفي فيلم "الشيطان لا ينام أبدا" عام 1962، استعرضت التوترات السياسية والفكرية إبان الثورة الشيوعية، وتميزت جميع هذه المعالجات السينمائية بالحفاظ على روح روايات بيرل باك الإنسانية، والتي تدعو دائما إلى التعاطف العابر للحدود والقارات.

 

الرحيل والإرث

 

امتدت مسيرة بيرل باك لتشمل أكثر من 70 رواية ومئات المقالات والقصص القصيرة، وتوفيت بسبب سرطان الرئة في 6 مارس 1973 عن عمر ناهز 80 عاما، ودفنت في مزرعتها الشهيرة "جرين هيلز" في بنسلفانيا، تاركا إرثا أدبيا وإنسانيا خالدا يثبت أن الأدب هو الأداة الأقوى لتفكيك التحيزات وبناء الجسور بين حضارات الشرق والغرب.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء