"أيام السادات" نبوءة زعيم وتضحيات نجم تجلت في ملحمة سينمائية خالدة
في مثل هذا اليوم عام 2001، كان العرض الأول لفيلم "أيام السادات" أحد أبرز العلامات المضيئة في تاريخ سينما السير الذاتية والدراما السياسية في الوطن العربي، والذي وثق الفيلم، عبر رؤية إخراجية متميزة للمخرج الراحل محمد خان وبطولة استثنائية للعملاق أحمد زكي، مسيرة الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات على مدار أربعين عاما، حيث لم يكن الفيلم مجرد رصد تاريخي، بل تعمق في الشخصية الإنسانية والسياسية لصاحب قرار الحرب والسلام.
البناء الدرامي
اعتمد السيناريست أحمد بهجت في صياغة السيناريو والحوار على مراجع رسمية وشخصية موثوقة، أبرزها كتاب السادات الشهير "البحث عن الذات" وكتاب "قصة الثورة"، بالإضافة إلى مذكرات السيدة جيهان السادات "سيدة من مصر"، يمتد الفيلم على مدار ما يقرب من ثلاث ساعات، ليتتبع رحلة السادات منذ بداياته الأولى في مرحلة النضال والشباب برصد فترة السجن والعمل السري ضد الاحتلال الإنجليزي والهروب والتحول الاجتماعي، ثم الانضمام لتنظيم ثورة يوليو 1952 وتولي المناصب السياسية المتعددة، وصولا إلى مقعد نائب رئيس الجمهورية ومرحلة الرئاسة والقرارات المصيرية بعد أن تسلم الحكم بعد وفاة الرئيس السابق جمال عبد الناصر، وقرار طرد الخبراء السوفييت والتخطيط لحرب أكتوبر 1973 ثم مبادرة السلام التاريخية مع إسرائيل، وانتهاء بحادثة اغتياله المأساوية في المنصة عام 1981.
نبوءة السادات وتضحية أحمد زكي
خلف هذا العمل الضخم كواليس وتفاصيل تعكس مدى الإصرار والشغف الفني الذي أحاط به، ففي مفارقة تاريخية، كان الرئيس أنور السادات نفسه قد أثنى على موهبة أحمد زكي بعد مشاهدته له في مسلسل "الأيام" عام 1979)، الذي جسد فيه قصة حياة طه حسين، وصرح حينها للمخرج يحيى العلمي قائلا "هذا الفتى الأسمر هو الأنسب لتجسيد قصة حياتي إذا ما صنع عنها فيلم سينمائي"، وحمل زكي هذه الشهادة كأمانة لسنوات طويلة حتى حققها.
وواجه مشروع الفيلم عقبات تمويلية ضخمة نظرا لتكلفته الإنتاجية العالية واحتياجه لتجهيزات عسكرية وديكورات تاريخية لعهود مختلفة، واتخذ أحمد زكي قرارا مصيريا يخوضه لأول مرة وأسس شركة إنتاج خاصة به ليمول الفيلم من ماله الخاص، في مغامرة إنتاجية بلغت ميزانيتها نحو 6 ملايين جنيه مصري حينها، محققا نجاحا جماهيريا كبيرا بإيرادات تخطت 11 مليون جنيه.
صرامة الاختيار وعبقرية الأداء
شهد اختيار طاقم العمل دقة بالغة من المخرج محمد خان، حيث خضعت الفنانة منى زكي لثلاث تجارب أداء قبل أن يقتنع خان تماما بقدرتها على تجسيد دور السيدة جيهان السادات في مرحلة الشباب .. في المقابل، جاء اختيار النجمة ميرفت أمين لتقديم دور جيهان السادات في مرحلة النضج بناء على ترشيح وتأييد من السيدة جيهان السادات نفسها، التي وجدت في ملامحها الوقار الأنسب للشخصية.
وتجلت عبقرية أحمد زكي في قدرته على محاكاة لغة جسد السادات ونبرة صوته الأجش وطريقة إلقائه للخطب السياسية، دون السقوط في فخ التقليد السطحي، وكان التحدي مضاعفا لأنه كان قد قدم قبلها ببضع سنوات شخصية الرئيس جمال عبد الناصر في فيلم "ناصر 56"، ليثبت مرونته الفنية الفائقة في تجسيد زعيمين متناقضين في الرؤية السياسية والأسلوب.
الجوائز والتكريمات الإقليمية والمحلية
حصد الفيلم وصناعه احتفاء نقديا ورسميا واسعا، حيث توج هذا المجهود الفني بتكريم النجم أحمد زكي بمنحه وسام الجمهورية من الطبقة الأولى تقديرا لأدائه العبقري، وحظي الفيلم بإشادة من السيدة جيهان السادات التي كرمت صناعه بنفسها لعكسه الواقع بدقة، ونال الفيلم عرضا تكريميا خاصا بمهرجان القاهرة الدولي، واكتسح جوائز جمعية الفيلم السنوية عام 2002، حاصدا جوائز أفضل ممثل لأحمد زكي أفضل ممثلة دور ثان لمنى زكي وأفضل تصوير لطارق التلمساني وأفضل موسيقى تصويرية لياسر عبد الرحمن، ونال المخرج محمد خان تكريما بمهرجان الإسكندرية السينمائي عن رؤيته المتميزة، وتصدر العمل استفتاءات الجمهور كأفضل فيلم لعام 2001 محققا إيرادات استثنائية لشباك التذاكر.