صيف مرعب يضرب أوروبا.. ملايين السكان في مواجهة درجات حرارة خطيرة| صور
تواصل موجة الحر الشديدة اجتياح أجزاء واسعة من أوروبا، حيث تشير التقديرات إلى أن ما لا يقل عن 94 مليون شخص سيواجهون، درجات حرارة تتجاوز 35 درجة مئوية، كما تتركز الكتلة الأكبر من المتأثرين بهذه الموجة في فرنسا وإسبانيا، بينما تمتد آثارها إلى مناطق واسعة من غرب ووسط القارة، وذلك وفقًا لوكالة (فرانس برس).
تتصدر فرنسا قائمة المناطق الأكثر تضررًا، حيث سجلت مدينة (نانت) درجة حرارة وصلت إلى 41 درجة مئوية؛ لتصبح من بين أكثر المدن الأوروبية حرارة، كما بلغت الحرارة 39.3 درجة مئوية في كل من (بوردو) الفرنسية، ومدينة (بلباو) الإسبانية، فيما سجلت تولوز 37 درجة مئوية، ووصلت الحرارة في باريس إلى المستوى ذاته، بينما تجاوزت درجة الحرارة في ألمانيا وتحديدًا بمدينة (شتوتجارت) 33 درجة مئوية، بينما شهدت العاصمة البريطانية (لندن) درجات مماثلة.

هل تواجه أوروبا صيفا خارج كل التوقعات؟
ولا تبدو الموجة الحارة في طريقها إلى الانحسار قريبًا؛ إذ يتوقع خبراء الأرصاد أن تتحرك شرقًا خلال الأيام المقبلة لتطال دول أوروبا الوسطى والشرقية، ومن المنتظر أن تتجاوز الحرارة في برلين 40 درجة مئوية يوم الأحد المقبل، بينما قد تصل في (وارسو) و(براج) إلى نحو 39 درجة مئوية، بينما أصدرت وزارة الصحة في إيطاليا إنذارات حمراء في 16 مدينة، بسبب الظروف الجوية القاسية؛ إذ شملت التحذيرات مدنًا رئيسية مثل (روما، وميلانو، وفلورنسا، وتورينو)، ويعني هذا المستوى من التحذير وجود ظروف مناخية قد تشكل خطرًا ليس فقط على الفئات الضعيفة، بل حتى على الأشخاص الأصحاء.
وتشير التوقعات إلى أن الحرارة قد تبلغ 41 درجة مئوية في (فلورنسا)، و38 درجة مئوية في (ميلانو)، بينما تبقى في (روما، ونابولي) دون 36 درجة مئوية، ومع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة، دعت الجمعيات المختصة برعاية الحيوان أصحاب الحيوانات الأليفة إلى اتخاذ احتياطات فورية لحمايتها، مؤكدة منع القسوة على الحيوانات في بريطانيا وضرورة تعديل الروتين اليومي للكلاب خلال هذه الفترة؛ لتجنب تعرضها لمخاطر الإجهاد الحراري وضربات الشمس.
ومن جانبها، قالت لورين بينيت، خبيرة رعاية الكلاب والممرضة البيطرية السابقة، إن فترة التحذير الأحمر يجب أن تعامل وكأنها إغلاق مؤقت بالنسبة للحيوانات الأليفة، موضحة أن هذه الظروف لا تسمح بالمشي أو ممارسة الألعاب أو أي نشاط بدني مكثف، مؤكدة أن تفويت بعض النزهات يبقى أقل خطورة بكثير من تعريض الحيوانات لمضاعفات قد تكون مميتة نتيجة الحرارة الشديدة.
وأضافت، أن توفير المياه النظيفة والظل والتهوية الجيدة والأنشطة الذهنية داخل المنازل يمكن، أن يساعد بشكل كبير على حماية الحيوانات خلال هذه الفترة، كما تتزايد أيضًا المخاوف بشأن تأثير الحرارة على ظروف العمل اليومية.

أوروبا على موعد مع أيام ملتهبة
وأما في باريس، شاركت القلق أمينة المكتبة الفرنسية، كلارا، البالغة من العمر 31 عاما، حيث تطالب بإقرار قوانين تضمن للعمال حق التوقف عن العمل عند وصول الحرارة إلى مستويات خطيرة، وتشير إلى أن فرنسا لا تفرض حاليًا حدًا أقصى لدرجات الحرارة التي تستوجب تعليق العمل، لافتًه أنها تعمل في مبنى قديم سيئ العزل ومواجه للشمس بشكل مباشر، ولا يحتوي على نظام تكييف، ورغم وجود مراوح صغيرة، فأنها لا توفر الراحة الكافية خاصًة عند الابتعاد عنها، كما تصف رحلة الذهاب إلى العمل والعودة منه بأنها مرهقة؛ للغاية بسبب درجات الحرارة المرتفعة.
وأضافت، أن بعض خدمات القطارات تعرضت للتقليص نتيجة الأضرار التي تسببها الحرارة للبنية التحتية للسكك الحديدية والعربات، مشيرة إلى أنها شعرت بوعكة صحية خلال تنقلها بسبب الأجواء الخانقة، أما داخل منزلها فقد وصلت الحرارة إلى 30 درجة مئوية، وهي تتوقع استمرار ارتفاعها مع امتداد موجة الحر، وتقول إنها تعاني من صعوبة في تهوية الشقة ومن اضطرابات في النوم بسبب الحرارة، في ظل غياب أجهزة التكييف والاكتفاء بمروحة لم تُعد كافية لمواجهة الظروف الحالية.
فيما تعبر أمينة المكتبة الفرنسية كلارا، عن استيائها مما تعتبره نقصًا في الإجراءات الحكومية لمواجهة الأزمة، مؤكدة أن النصائح الرسمية تقتصر في الغالب على شرب المياه، بينما لا توجد توجيهات واضحة أو قوانين تحمي العمال من العمل في ظروف مناخية قاسية.

درجات حرارة قياسية ومخاوف من تداعيات خطيرة
وفي بروكسل، يرى أليكس، وهو موظف في مؤسسات الاتحاد الأوروبي ومن أصول إسبانية، أن المشكلة لا تكمن فقط في ارتفاع الحرارة، بل أيضًا في عدم جاهزية العديد من دول شمال أوروبا للتعامل معها، موضحًا أن درجات الحرارة بين 38 و40 درجة مئوية تعد مألوفة في جنوب إسبانيا خلال الصيف، لكن الأمر مختلف تمامًا في مناطق لم تعتد مثل هذه الظروف.
إذ يشير إلى أن أنظمة التكييف والبنية التحتية في بلدان مثل فرنسا وبلجيكا أقل انتشارًا مما هي عليه في إسبانيا، مما يجعل تأثير الحرارة أكثر قسوة على السكان، كما يعتقد أن الرطوبة المرتفعة في بعض المناطق الأوروبية تجعل الشعور بالحرارة أكثر حدة مقارنة بالمناخ الجاف في جنوب إسبانيا، وخلال عودته بالسيارة من مدريد إلى بروكسل، لاحظ أليكس انتشار لوحات إرشادية على الطرق الفرنسية تدعو السائقين إلى التوقف للراحة والإكثار من شرب المياه.
كما استذكر رحلة سابقة قام بها إلى كثيب بيلات الرملي الشهير في جنوب غرب فرنسا، موضحًا أنه كان يستطيع زيارته خلال ساعات النهار في السابق، بينما اضطر هذا العام إلى الانتظار حتى ما بعد غروب الشمس بسبب الحرارة الشديدة، مؤكدًا أن الفارق بين هذا الصيف والسنوات الماضية كان واضحا للغاية، معتبرًا أن مستويات الحرارة الحالية تختلف تماما عما اعتاده الأوروبيون خلال العقود السابقة.
وفي المملكة المتحدة، بدأت المؤسسات التعليمية وأماكن العمل ودور الرعاية بمراجعة إجراءاتها للتعامل مع الظروف الجوية القاسية، كما أشار مسؤولون في قطاع التعليم إلى أن انتهاء امتحانات الشهادة الثانوية والمرحلة المتقدمة قبل وصول ذروة الحر جنّب المدارس مشكلات كبيرة.
وقالت جو رولي، نائبة مدير إحدى المدارس في ستافورد، إن القطاع التعليمي كان محظوظا بتوقيت موجة الحر الحالية؛ لكنها تساءلت عن مدى قدرة المؤسسات على الاستمرار في التكيف مع موجات الحر المتزايدة مستقبلا في ظل تسارع تأثيرات التغير المناخي العالمي، كما تجمع آراء الخبراء والمتضررين على أن أوروبا تواجه واقعا مناخيا جديدا يتميز بموجات حر أطول وأشد قسوة، ما يفرض تحديات متزايدة على البنية التحتية وسوق العمل والخدمات العامة والحياة اليومية لملايين السكان في مختلف أنحاء القارة.