لجان الأكابر في الصعيد.. حرب تكافؤ الفرص في امتحانات الثانوية
بين حقول القمح وجدران المدارس الطينية، تدور كل عام معركة خفية في قلب الصعيد. اسمها الإعلامي "لجان أولاد الأكابر"، واسمها الحقيقي: تهديد صريح لمبدأ العدالة التعليمية.
للسنوات الماضية تحوّلت مدارس بعينها في مراكز مثل دار السلام وجهينة بسوهاج، والبداري وديروط بأسيوط، ونجع حمادي بقنا، إلى قبلة لطلاب من خارج المحافظة. تحويلات مشبوهة، مجاميع تتخطى 95% بشكل جماعي، وقصص تُروى عن "تسهيلات" تضمن مقعداً في كليات القمة. النتيجة الكارثية ظهرت حين رسب 75% من طلاب الفرقة الأولى بطب سوهاج، لأن الامتحانات الإلكترونية كشفت المستوى الحقيقي لمن دخلوا بـ درجات مساعدة.
هذا العام، قررت وزارة التعليم كسر الحلقة من خنق التحويلات. شُكّلت لجان مركزية بالعاصمة الإدارية لفحص كل طلب تحويل للثانوية العامة، مع حظر كامل لإدارات تعليمية بعينها ثبت تورطها سابقاً. ثانياً: تغيير قواعد اللعبة داخل اللجان. تم تكثيف التفتيش قبل الدخول، وتطبيق نظام اللجان المجمعة لتفريق الكتل الطلابية المتفق عليها، مع وضع كاميرات مراقبة ورقابة مركزية من غرفة العمليات.
النتيجة الأولية حسب تصريحات الوزارة:
لا توجد حالات غش جماعي مسجلة حتى الآن هذا العام. لكن المعركة لم تنته. في قرى الصعيد، لا يزال المراقب يواجه ضغطاً مجتمعياً هائلاً، وأحياناً تهديدات مباشرة من أولياء أمور يرون "المستقبل في ورقة إجابة.
أولياء أمور الطلاب المجتهدين يطالبون اليوم بشيء واحد: استكمال الحماية. يريدون دوريات أمنية ثابتة حول اللجان المُصنفة "ساخنة"، وتحصين الملاحظين قانونياً، لأن نجاح طالب بالغش يعني ضياع حلم طالب آخر ذاكر تحت لمبة جاز.
لجان لاأكابر ليست مجرد قصة غش. هي اختبار لقدرة الدولة على فرض هيبتها في أبعد نجع، ولضمان أن شهادة الثانوية تظل مقياساً للعلم، لا للنفوذ.
خبراء
يرى الدكتور ممدوح شاكر أستاذ أصول التربية، أن ضعف الرقابة على لجان الصعيد لا يعود لنقص الإمكانات بل لغياب الإرادة الإدارية. فالوزارة تركز مواردها على المحافظات الحضرية وتترك مدارس القرى لمصيرها، مما يخلق بيئة خصبة للغش الجماعي ويهدر مبدأ تكافؤ الفرص.
وتضيف الدكتوره سلوى عبد الرحيم خبيرة التقييم والامتحانات، أن التقاعس ظهر جليًا في تكرار نفس المخالفات كل عام دون محاسبة. لجان كاملة تُدار بالمحمول والسماعات، ورؤساء اللجان يخشون المواجهة بسبب ضغوط اجتماعية وعائلية. الوزارة تكتفي بإرسال متابع واحد لعشرات اللجان، وهو إجراء شكلي لا يحقق الانضباط.
أما هاني فؤاد الباحث في السياسات التعليمية، فيؤكد أن النتيجة المباشرة هي فقدان الثقة في الشهادة الثانوية من الصعيد. الطالب المجتهد يُظلم مرتين: مرة بالغش حوله، ومرة حين
يُعامل بنفس معيار التنسيق. الحل يبدأ من إرادة حقيقية لتدوير رؤساء اللجان، واستخدام كاميرات مراقبة، وتطبيق قانون الغش بحزم دون استثناءات. الصمت الرسمي يرسخ أن الوزارة تعتبر المشكلة هامشية، بينما هي تضرب مصداقية التعليم كله.



