محمد علي على أبواب القسطنطينية.. كيف أوقفت أوروبا مشروعه التوسعي؟
تحل ذكرى معركة نسيب باعتبارها واحدة من أبرز المحطات في تاريخ الدولة المصرية خلال عهد محمد علي باشا، إذ مثلت لحظة فارقة كادت أن تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط خلال القرن التاسع عشر، فقد حققت القوات المصرية بقيادة إبراهيم باشا انتصارًا كبيرًا على الجيش العثماني، الأمر الذي فتح الباب أمام احتمال وصول الجيش المصري إلى العاصمة العثمانية نفسها، إلا أن التحولات السياسية الدولية والمصالح المتشابكة للقوى الأوروبية الكبرى حالت دون استكمال هذا المسار، لتتحول الانتصارات العسكرية إلى أزمة سياسية فرضت واقعًا جديدًا على المنطقة.
نصر عسكري غير موازين القوى في المنطقة
في الرابع والعشرين من يونيو عام 1839، تمكنت القوات المصرية بقيادة إبراهيم باشا من تحقيق انتصار كبير على الجيش العثماني في معركة نسيب، وهي المعركة التي اعتبرها مؤرخون نقطة تحول مهمة في الصراع بين الطرفين، وقد منحت نتائج المعركة الجيش المصري تفوقًا واضحًا على الأرض، حيث أصبح الطريق مفتوحًا أمام قوات إبراهيم باشا للتقدم نحو القسطنطينية، عاصمة الدولة العثمانية آنذاك، بعدما تراجعت قدرة الجيش العثماني على وقف الزحف المصري.
وكان هذا الانتصار بمثابة تتويج لسلسلة من النجاحات العسكرية التي حققتها قوات محمد علي خلال تلك المرحلة، حيث تمكن من بناء جيش حديث يعتمد على أساليب تدريب وتنظيم متطورة مقارنة بالجيوش التقليدية في المنطقة، كما عززت تلك الانتصارات من طموحات محمد علي في توسيع نفوذ دولته وإقامة كيان سياسي قوي يمتد خارج حدود مصر، وهو ما أثار حالة من القلق لدى العديد من القوى الدولية.
تعليمات مفاجئة أوقفت تقدم إبراهيم باشا
ورغم التفوق العسكري الكبير الذي تحقق على أرض المعركة، فإن الأحداث أخذت مسارًا مختلفًا بعد ذلك بفترة قصيرة، إذ وصلت إلى إبراهيم باشا تعليمات مباشرة من محمد علي تقضي بعدم استكمال التحرك نحو الأناضول وعدم التقدم إلى العاصمة العثمانية، وجاء هذا القرار في وقت كان كثيرون يرون أن الطريق أصبح مهيأ أمام الجيش المصري لتحقيق مكاسب أكبر قد تغير شكل المنطقة بالكامل.
ويرى بعض الباحثين أن هذا التوقف لم يكن ناتجًا عن أسباب عسكرية، وإنما جاء نتيجة قراءة دقيقة للتحركات الدولية المتسارعة، خاصة مع بدء القوى الأوروبية في إظهار رفضها لأي توسع مصري قد يؤدي إلى سقوط الدولة العثمانية أو تغيير شكل النفوذ القائم في الشرق. فقد كان محمد علي يدرك أن المعركة لم تعد مجرد مواجهة مع العثمانيين، بل أصبحت صراعًا أكبر يرتبط بمصالح الدول الكبرى وحساباتها الاستراتيجية.
أوروبا تدخلت لحماية نفوذها ومصالحها
لم تنظر الدول الأوروبية الكبرى إلى صعود محمد علي باعتباره حدثًا محليًا يخص مصر والدولة العثمانية فقط، بل اعتبرته تحولًا قد يهدد التوازن السياسي الذي كانت تحرص على الحفاظ عليه في المنطقة، وكانت تلك الدول تخشى أن يؤدي نجاح المشروع المصري إلى ظهور قوة إقليمية جديدة قادرة على التحكم في مسارات التجارة والنفوذ السياسي والعسكري داخل الشرق.
ولهذا بدأت التحركات الدبلوماسية الأوروبية بصورة سريعة، حيث مارست الدول الكبرى ضغوطًا متزايدة على الدولة العثمانية، كما سعت إلى فرض رؤيتها بشأن الأزمة المصرية. وقد رأت بعض القوى أن استمرار التوسع المصري قد يمنح محمد علي نفوذًا واسعًا يتجاوز حدود مصر وسوريا إلى مناطق أخرى ذات أهمية استراتيجية، وهو ما دفعها إلى التحرك بشكل جماعي للحيلولة دون حدوث ذلك.
كيف أنهت القوى الكبرى حلم التوسع المصري؟
يؤكد عدد من المؤرخين أن التدخل الأوروبي لم يكن يهدف فقط إلى حماية الدولة العثمانية من الانهيار، بل كان في جوهره مرتبطًا بالحفاظ على شبكة المصالح الدولية التي كانت تتحكم في المنطقة آنذاك، كما أن الصراع بين روسيا وإنجلترا وفرنسا والنمسا حول النفوذ جعل المسألة المصرية تتحول من قضية إقليمية إلى ملف دولي شديد التعقيد.
وبينما كانت فرنسا تميل إلى دعم بعض مطالب محمد علي والإبقاء على نفوذه في مناطق معينة، اتخذت إنجلترا موقفًا أكثر حدة، إذ اعتبرت أن الحفاظ على كيان الدولة العثمانية يمثل ضرورة سياسية واستراتيجية، ومع تصاعد الضغوط الدولية، لم تتمكن مصر من استثمار انتصاراتها العسكرية بالشكل الذي كانت تطمح إليه، لينتهي الأمر بتراجع مشروع محمد علي التوسعي، رغم أنه كان على مسافة قريبة من تحقيق واحد من أكبر التحولات السياسية في تاريخ المنطقة.