البنوك وتمويل الموازنة.. هيمنة أدوات الدين وتراجع نسبي في دور القطاع الخاص
واصل البنوك المصرية لعب دور أساسي في تمويل عجز الموازنة العامة للدولة عبر الاعتماد المتزايد على أذون وسندات الخزانة، في ظل استمرار فجوة التمويل التي تعاني منها المالية العامة، وهو ما جعل الجهاز المصرفي أحد أهم مصادر تغطية الاحتياجات التمويلية للحكومة خلال السنوات الأخيرة.
الحكومة تستحوذ على النصيب الأكبر من الائتمان المحلي
وتشير بيانات حديثة إلى أن هذا النمط من التمويل لم يعد ظرفيًا، بل تحول إلى سمة هيكلية في العلاقة بين الدولة والقطاع المصرفي، خاصة مع ارتفاع العوائد على أدوات الدين المحلي، ما دفع البنوك إلى تفضيل الاستثمار في الأوراق الحكومية باعتبارها الأقل مخاطرة والأعلى استقرارًا في العائد مقارنة بتمويل القطاع الخاص.
وفي هذا السياق، تُظهر المؤشرات أن الحكومة تستحوذ على النسبة الأكبر من الائتمان المحلي، حيث بلغت حصتها نحو 57% بنهاية عام 2024، مقابل نحو 20% فقط للقطاع الخاص، وهي فجوة تعكس اختلالًا واضحًا في توزيع السيولة داخل الاقتصاد. كما ارتفع إجمالي الائتمان الموجه للحكومة والجهات الاقتصادية العامة إلى نحو 8.8 تريليون جنيه في أغسطس 2025، مقابل 4.4 تريليون جنيه للقطاع الخاص، بما يعكس اتساع الفارق بين تمويل الدولة وتمويل النشاط الإنتاجي.
توسع مصرفي كبير.. وأصول تتجاوز الناتج المحلي
وعلى مستوى القطاع المصرفي، واصلت البنوك تسجيل توسع قوي في حجم الأصول، حيث بلغت أصول الجهاز المصرفي (باستثناء البنك المركزي) نحو 24.1 تريليون جنيه بنهاية 2025، بمعدل نمو سنوي تجاوز 45%، وهو ما رفع حجم القطاع إلى ما يعادل أكثر من 125% من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، في دلالة على تضخم الدور المالي للبنوك داخل الاقتصاد.
لكن هذا التوسع ترافق مع تركّز ملحوظ في توظيفات البنوك داخل أدوات الدين الحكومي، التي تمثل نحو 28.6% من إجمالي أصول القطاع المصرفي، وهو ما يعكس استمرار الميل نحو التمويل الآمن المرتبط بالدولة، في مقابل تراجع نسبي في الحصة الموجهة للقطاع الخاص، خصوصًا في القطاعات الإنتاجية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
استثمارات مكثفة في أدوات الدين الحكومي
ويرى خبراء أن هذا التوجه يرسخ ما يعرف بظاهرة “الإزاحة الائتمانية”، حيث يؤدي توسع الحكومة في الاقتراض من البنوك إلى تقليص السيولة المتاحة للقطاع الخاص، ورفع تكلفة التمويل عليه، بما يحد من قدرته على التوسع الاستثماري وخلق فرص عمل جديدة. وتشير بعض الدراسات إلى أن هذا الأثر قد يتجاوز في بعض الحالات نسبة جنيه مقابل كل جنيه إضافي تقترضه الحكومة، بما يعكس حدة المنافسة على السيولة داخل النظام المصرفي.
ورغم ما يحققه هذا النموذج من قدرة على تمويل احتياجات الدولة بشكل مستقر، إلا أنه يثير في المقابل تساؤلات حول توازن هيكل الائتمان في الاقتصاد، خاصة في ظل الحاجة إلى تعزيز دور القطاع الخاص كمحرك رئيسي للنمو وزيادة الإنتاج.
مع هذا يبقى ن التحدي الحقيقي لا يتعلق بحجم التمويل المتاح، بقدر ما يتعلق بتوزيعه، ومدى قدرة الاقتصاد على إعادة توجيه جزء أكبر من السيولة نحو النشاط الإنتاجي بدلًا من التركيز شبه الكلي على أدوات الدين الحكومي، بما يضمن تحقيق نمو أكثر توازنًا واستدامة خلال المرحلة المقبلة.