رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

عاطف الطيب.. المخرج الذي هزّ عرش الرقابة بـ "البريء" و"ضد الحكومة"

المخرج عاطف الطيب
المخرج عاطف الطيب

تحل اليوم ذكري وفاة المخرج عاطف الطيب، رغم أن مشواره السينمائي لم يمتد لأكثر من خمسة عشر عامًا، ورحيله المبكر عام 1995 وهو في الثامنة والأربعين من عمره، نجح المخرج عاطف الطيب في أن يرسخ اسمه كأحد أبرز رموز "الواقعية الجديدة" في السينما المصرية. لم تكن أفلامه مجرد أعمال فنية تروي قصصًا عابرة، بل تحولت إلى وثائق اجتماعية رصدت هموم المواطن المصري وتفاصيل حياته اليومية، كاشفةً التحولات الاقتصادية والسياسية التي شهدها المجتمع خلال حقبة الانفتاح وما بعدها.

المخرج عاطف الطيب
المخرج عاطف الطيب

من سوهاج إلى عالم السينما

وُلد عاطف الطيب عام 1947 في جزيرة شورانية بمحافظة سوهاج، وانتقل إلى القاهرة مدفوعًا بحلمه السينمائي، التحق بالمعهد العالي للسينما وتخرج في قسم الإخراج عام 1970، قبل أن يبدأ رحلة طويلة من التعلم والعمل الميداني.

وخلال سنواته الأولى، عمل مساعدًا لعدد من كبار المخرجين، من بينهم شادي عبد السلام في فيلم "الجيوش"، كما شارك في تجارب عالمية مع المخرج البريطاني لويس جيلبرت في فيلم "الجاسوس الذي أحبني" من سلسلة "جيمس بوند"، والمخرج جون جيليرمين في فيلم "تحدي عملاق"، وأسهمت هذه الخبرات في صقل أدواته الفنية ومنحته رؤية بصرية مميزة جمعت بين الانضباط المهني والاقتراب من الواقع.

الشارع المصري بطلًا لأفلامه

اتخذ الطيب من الشارع المصري مسرحًا حقيقيًا لأعماله، فابتعد عن الصورة المصطنعة وفضّل التصوير في المواقع الطبيعية مثل الحارات الشعبية، المقاهي، المحاكم، محطات القطارات، والأسواق لم تكن مجرد خلفيات للأحداث، بل تحولت إلى شخصيات حية تنبض داخل أفلامه.

كما ارتبط بعلاقات إبداعية ناجحة مع مجموعة من أهم كتاب السيناريو، من بينهم بشير الديك ووحيد حامد ومصطفى محرم، حيث شكلوا معًا ملامح سينما جديدة انحازت إلى الطبقة الوسطى والبسطاء، وقدمت قضاياهم بلغة مباشرة وصادقة.

إعادة اكتشاف نجوم الشاشة

كان لعاطف الطيب دور بارز في تقديم عدد من النجوم بصورة مختلفة عن المعتاد، فقد قاد أحمد زكي إلى واحد من أهم أدواره في "البريء" و"ضد الحكومة"، كما منح نور الشريف مساحات تمثيلية مميزة في "سواق الأتوبيس" و"ناجي العلي"، بينما كشف جوانب جديدة من موهبة محمود عبد العزيز في «"لدنيا على جناح يمامة"، واستطاع الطيب من خلال رؤيته الإخراجية أن يستخرج أفضل ما لدى ممثليه، ليصبح شريكًا أساسيًا في نجاح العديد من الأعمال التي لا تزال حاضرة في ذاكرة الجمهور.

أفلام صنعت تاريخ الواقعية الجديدة

ترك عاطف الطيب خلفه 21 فيلمًا روائيًا طويلًا، تحولت نسبة كبيرة منها إلى علامات بارزة في تاريخ السينما المصرية والعربية.

جاء فيلم "سواق الأتوبيس" عام 1982 ليعلن ميلاد مرحلة جديدة في السينما الواقعية، حيث ناقش تأثير التحولات الاقتصادية على الأسرة المصرية، واختتم بصرخة بطله الشهيرة التي عبرت عن غضب جيل كامل.

أما "البريء" عام 1986 فكان من أكثر أفلامه جرأة، إذ تناول قضية الطاعة العمياء واستغلال السلطة للإنسان البسيط، ليصبح لاحقًا أحد أهم الأفلام السياسية في تاريخ السينما المصرية.

وفي عام 1992 قدم "ضد الحكومة"، الذي وجه نقدًا مباشرًا للفساد الإداري والبيروقراطية، وخلّد واحدة من أشهر المرافعات السينمائية على لسان بطله أحمد زكي.

أما آخر أعماله "ليلة ساخنة" عام 1995، فقد رصد من خلال رحلة تاكسي واحدة ملامح القاهرة وتحولات المجتمع في ليلة رأس السنة، ليكون بمثابة الوداع الأخير لمخرج ارتبط اسمه بالواقع المصري.

معارك مع الرقابة والجدل السياسي


لم تكن مسيرة الطيب سهلة، فقد اصطدمت أفلامه مرارًا بالرقابة بسبب جرأتها في تناول القضايا السياسية والاجتماعية، وكان فيلم "البريء" أبرز هذه المواجهات، حيث تعرض لعمليات حذف وتعديل واسعة، كما تم تغيير نهايته الأصلية التي اعتُبرت صادمة في ذلك الوقت.

كما واجه هجومًا سياسيًا وإعلاميًا واسعًا بعد إخراجه فيلم "ناجي العلي"، الذي تناول حياة رسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهير، ووصلت الانتقادات إلى حد المطالبة بمنع عرض الفيلم ومقاطعة صناعه.

المرض لم يوقف شغفه

عانى عاطف الطيب منذ طفولته من مشكلات صحية في القلب نتيجة إصابته بالحمى الروماتيزمية، إلا أن المرض لم يمنعه من مواصلة العمل. كان معروفًا بإصراره على التواجد لساعات طويلة في مواقع التصوير، متحملًا ضغوط العمل والمجهود البدني الكبير، إيمانًا منه بأن السينما رسالة لا مجرد مهنة، وظل متمسكًا بهذا الشغف حتى رحل عام 1995 أثناء خضوعه لجراحة دقيقة بالقلب، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا استثنائيًا.

رحل عاطف الطيب قبل أن يشاهد النجاح الجماهيري الكامل لفيلمه الأخير "ليلة ساخنة"، لكنه ترك مدرسة سينمائية متكاملة ما زالت تلهم أجيالًا جديدة من المخرجين؛ فقد آمن بأن السينما يجب أن تكون صوتًا للناس البسطاء ومرآة صادقة للمجتمع، وأن دور الكاميرا لا يقتصر على الترفيه، بل يمتد إلى كشف التناقضات ومواجهة الفساد والدفاع عن الإنسان؛ ولهذا بقيت أفلامه حية حتى اليوم، شاهدة على موهبة مخرج آمن بالواقع، فصنع منه سينما خالدة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء