رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

«أعز الناس» و«في سكون الليل».. معتز محسن يكشف أسرارًا عن عبد الحليم|خاص

الناقد معتز محسن
الناقد معتز محسن

قال الناقد معتز محسن، إن أكثر أغاني عبد الحليم حافظ قربًا إلى قلبه هي أغنية «أعز الناس»، معتبرًا أنها واحدة من الأغاني المهمة في مسيرة العندليب الأسمر، والتي كان من المفترض أن تُدرج ضمن أحداث فيلم أبي فوق الشجرة عام 1969، وأن تكون بمثابة النهاية الرئيسية للفيلم، للتعليق على خلاصة الحكاية بعد عودة الشاب الذي ضل طريقه إلى أحبائه من جديد.

وأضاف محسن، لـ"إيجبتك"، أن طول مدة الفيلم التي وصلت إلى ساعتين ونصف الساعة دفعت المخرج حسين كمال إلى اتخاذ قرار بالتضحية بإحدى أغنيات الفيلم حتى لا تمتد مدته إلى ثلاث ساعات أو أكثر من ساعتين ونصف، فوقع الاختيار على أغنية «أعز الناس»، وهي من كلمات مرسي جميل عزيز وألحان بليغ حمدي، مؤكدًا أنها أغنية تجمع بين الرشاقة والطرب والأصالة والمعاصرة في آن واحد.

في سكون الليل

وأوضح أن من الأغاني التي يعشقها أيضًا في بدايات عبد الحليم الفنية أغنية «في سكون الليل»، التي قُدمت عام 1954 مع بدايات طريق الشهرة، وهي من كلمات إمام الصفطاوي وألحان علي إسماعيل، موضحًا أن الأغنية احتوت في مقدمتها الموسيقية على صفارة كان يؤديها عبد الحليم بنفسه لتدعيم اللحن المصاحب بالكمان والبيانو وبعض الإيقاعات، مشيرًا إلى أن أداء العندليب فيها كان بالغ الروعة والجمال قبل اكتشاف المرض الذي لازمه حتى رحيله، والذي كان أحد أسرار خلود اسمه وعظمته واستمراره حتى الآن.

عبد الحليم حافظ في وجدان الأجيال

وأشار إلى إن سر استمرار عبد الحليم حافظ في وجدان الأجيال المختلفة، خصوصًا الأجيال الجديدة، يعود إلى كونه «مطربًا لكل الأجيال والعصور»، وهو اللقب الذي حصل عليه عقب رحيله في 30 مارس عام 1977 في لندن، موضحًا أن شكل عبد الحليم وصوته وهيئته ومكنونه الإنساني كانت جميعها نابعة من معين الطرب المصري والبيئة المصرية والملامح التي تأسست عليها الشخصية المصرية.

وأضاف، أن عبد الحليم غيّر مفهوم المطرب الذي كان يتسم بالعنفوان الجسدي والصوتي، ليقدم نموذجًا جديدًا للمطرب ذي الملامح الرقيقة والجسد النحيف، لكنه يحمل في داخله آلامًا وأشجانًا إنسانية عميقة، ما بين المرض والصعوبات التي واجهها منذ الميلاد، وهو ما حوّل المأساة والمرارة والشجن إلى ملحمة فنية خالدة، استطاع من خلالها أن يحول الآلام القاسية إلى لوحات فنية وإنسانية جميلة.

وأشار محسن إلى أن المستمع حين ينصت لعبد الحليم في الأغاني الرومانسية يعشق من يقابله في الحياة، وحين يغني للوطن يجعل الناس تعشق تراب هذا الوطن، وحين يغني للقومية العربية والإفريقية يرتبط الجمهور بهذه القضايا وجدانيًا، كما كان صوته حاضرًا بقوة في الأغاني الرافضة للهزيمة والاستسلام، مستشهدًا بأغانٍ مثل «عدّى النهار»، و«المسيح»، و«بركان الغضب»، و«عاش اللي قال»، و«صباح الخير يا سينا»، و«النجمة مالت على القمر».

حليم.. والمناسبات الوطنية

وأوضح أن عبد الحليم ظل حاضرًا بقوة في المناسبات الوطنية المرتبطة بتاريخ مصر، منذ الأغاني التي ارتبطت بثورة يوليو وحتى أغنية «النجمة مالت على القمر» التي قدمها عام 1975 بمناسبة إعادة افتتاح قناة السويس للملاحة العالمية يوم 5 يونيو، معتبرًا أنها بدت وكأنها وداع أخير للجمهور قبل رحيله في 30 مارس 1977.

عبدالحليم حافظ والمرض

وأكد محسن، أن الفيلسوف زكي نجيب محمود كان محقًا حين قال إن عبد الحليم حوّل المرض إلى طاقة جبارة صنعت اسمه، موضحًا أن قوة عبد الحليم لم تكن في العنفوان الصوتي كما لدى مطربين آخرين، بل في قدرته على تحويل رقة صوته إلى نبرة اعتراض وتساؤل وتمرد ودعوة للتغيير، وأن قوته الحقيقية جاءت من صدق وجدانه وإحساسه بالكلمة.

وأضاف، أن بداية إحساس عبد الحليم بالأزمة الصحية التي لازمته طوال حياته الفنية والإنسانية بدأت أثناء تصوير فيلم أيامنا الحلوة عام 1955، ثم ازدادت حدة خلال تصوير فيلم دليلة عام 1956، وهو أول فيلم ملون بنظام «السينما سكوب» في تاريخ السينما المصرية، وكان من إنتاج عبد الحليم نفسه.

وأشار إلى أن العندليب أراد أن يجعل من اسمه «أيقونة وعلامة مسجلة»، فوجد في الآلام التي كانت تلازمه أثناء التصوير أو تسجيل الأغاني والبروفات حالة إنسانية خاصة، إذ كان يتحامل على نفسه رغم تعليمات الأطباء، ليحول هذه المعاناة إلى ملحمة فنية وسينمائية خالدة.

قاهر الظلام

وتابع محسن، أن هذا المعنى تجلى بوضوح أثناء غنائه لتترات مسلسل قاهر الظلام عن حياة طه حسين، والذي قام ببطولته الفنان محمود مرسي وكتبه كمال الملاخ، موضحًا أن عبد الحليم كان يستدعي ألمه الداخلي ليعبر عن الإرادة الحديدية لطه حسين، وهو ما منح العمل كل هذا الصدق والجمال.

وقال، إن أكثر الأفلام التي عبّرت عن السيرة الذاتية لعبد الحليم كان فيلم حكاية حب عام 1959، معتبرًا أنه الفيلم الأقرب لشخصية العندليب الحقيقية، مضيفًا أن أغنية «في يوم.. في شهر.. في سنة» كانت أكثر الأغاني تعبيرًا عن هذه المعاناة، لافتًا إلى أن شقيقة عبد الحليم، السيدة عليات، كانت تؤكد دائمًا أنها الأغنية الأقرب إلى قلبه لأنها كانت تحكي قصته كاملة من الألف إلى الياء.

وأضاف محسن، أن عبد الحليم كان يؤدي بنفسه الصفارة الموجودة في مقدمة الأغنية خلال الحفلات المختلفة، وهي المقدمة التي وضعها الموسيقار كمال الطويل، معتبرًا أن عبد الحليم نجح في تحويل الألم إلى أمل وتفاؤل، رغم كل ما كان يعيشه من معاناة.

وأشار إلى ما ذكرته الكاتبة سميحة غالب في إحدى السهرات التلفزيونية عنه، حين قالت إنه «غنى للأمل وهو خصيمه، وغنى للحب الذي رفض أن يقترب منه بسبب ظروفه»، مؤكدًا أن عبد الحليم لم يكن يومًا متزمتًا أو أنانيًا، بل أراد أن يمنح السعادة للناس، ولذلك بقي حاضرًا في الذاكرة حتى اليوم.

عبد الحليم و“الرومانسية”

وأوضح محسن، أن الرومانسية الحديثة بدأت عالميًا خلال الحرب العالمية الثانية، وازدهرت بعد انتهائها عام 1945، مع ظهور أسماء كبرى مثل فرانك سيناترا ودين مارتن وبينغ كروسبي وإديث بياف، حيث حاول هؤلاء الفنانون تضميد جراح الإنسانية بعد ويلات الحرب وأخبار الضحايا والقنابل الذرية.

وأضاف أن هذه الحالة الرومانسية انعكست أيضًا على السينما العالمية منذ فيلم ذهب مع الريح عام 1939، ثم امتدت إلى المنطقة العربية بعد ثورة يوليو 1952، مع صعود فكرة القومية المصرية ثم القومية العربية، ليصبح عبد الحليم حافظ الاسم الأبرز المرتبط بالرومانسية العربية الحديثة.

وأشار إلى أن هذا الارتباط تجلى بوضوح في الأوبريتات والأناشيد الجماعية التي كان يقدمها الموسيقار محمد عبد الوهاب، مثل «صوت الجماهير» عام 1963 و«الوطن الأكبر» عام 1960 و«الجيل الصاعد»، مؤكدًا أن عبد الحليم كان عنصرًا أساسيًا في هذه الأعمال الوطنية الكبرى.

فرقة محبي العندليب

وقال محسن، إن تأثير عبد الحليم امتد إلى العالم العربي، موضحًا أن مجموعة من الشباب في العراق أسسوا «فرقة محبي العندليب» التي كانت تنشر أغانيه وتقلد طريقته في الحديث والملابس، كما لفت إلى الاستقبال الحافل الذي كان يحظى به في المغرب من الملك الحسن الثاني منذ توليه الحكم عام 1963، حيث كان الملك شغوفًا بالموسيقى ويحرص على دعوة عبد الحليم للمناسبات الوطنية وأعياد الجلوس على العرش.

وأضاف أن الأمر نفسه تكرر في الجزائر بعد حفلات عيد الاستقلال عام 1963، كما أن الملك الحسين بن طلال أرسل طائرة خاصة عقب رحيل عبد الحليم للمساعدة في نقل الجثمان، شأنه شأن عدد كبير من الملوك والرؤساء العرب الذين تعاملوا مع رحيله باعتباره «ملحمة شعبية».

وأكد محسن، أن جنازة عبد الحليم عام 1977 تُعد واحدة من أبرز الجنازات الشعبية الملحمية في تاريخ مصر، إلى جانب جنازات مصطفى كامل وسعد زغلول وجمال عبد الناصر وأم كلثوم، موضحًا أن عبد الحليم، خلال رحلته الفنية التي امتدت نحو 22 أو 23 عامًا، كان يسعى دائمًا إلى الخلود والبقاء.

واختتم محسن تصريحاته، قائلًا إن هذا المعنى ظهر بوضوح في فيلم حليم الذي قدمه الفنان أحمد زكي، حيث كان النجاح بالنسبة لعبد الحليم يعني أن يُذكر اسمه بعد الرحيل أكثر مما يُذكر وهو على قيد الحياة، وهو ما تحقق بالفعل، ليظل اسم العندليب حاضرًا بقوة في الوعي العربي والوجدان المصري حتى اليوم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء