يقول البعض إن الحديث عن ضعف رواتب أعضاء هيئة التدريس ينتقص من كرامة الأستاذ الجامعي، وإن الأستاذ صاحب رسالة لا ينبغي أن يتحدث عن دخله.
لكن الحقيقة أن قضية رواتب أعضاء هيئة التدريس لم تعد قضية تخص الأساتذة وحدهم، بل أصبحت قضية تمس مستقبل مصر.
فالجامعة هي التي تخرج المعلم الذي يعلم أبناءنا.
والقاضي الذي يحكم بين الناس.
والمحامي الذي يدافع عن الحقوق.
والمحاسب الذي يدير أموال المؤسسات.
والمهندس الذي يبني المشروعات.
والطبيب الذي نعهد إليه بصحتنا.
فإذا كان من يُعد كل هؤلاء غير متفرغ بالكامل لمهمته العلمية بسبب ضغوط المعيشة، فمن الطبيعي أن تتأثر جودة الخريجين الذين تعتمد عليهم الدولة في كل القطاعات.
ولهذا فإن ضعف رواتب أعضاء هيئة التدريس ليس مشكلة فئوية، وليس قضية تخص الأساتذة وحدهم.
بل قضية تمس جودة التعليم، وكفاءة الخريجين، وقدرة الجامعات على التطوير، ومستقبل التنمية في مصر.
عندما يكون الأستاذ الجامعي منشغلًا طوال الوقت بتدبير احتياجات أسرته والبحث عن مصدر دخل إضافي، فمن الطبيعي أن تقل درجة تفرغه لمهمته الأساسية داخل الجامعة. فالإبداع والهموم لا يلتقيان.
فتصبح المحاضرة مجرد واجب يؤديه.
ويصبح تطوير المقررات الدراسية وتأليف المراجع العلمية وتحديث المناهج أولوية مؤجلة.
ويقل الوقت المتاح لمتابعة المستجدات العلمية العالمية.
وتتسع الفجوة بين ما يدرسه الطالب وما يحتاجه سوق العمل.
ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا لا يمتلك كثير من الخريجين المهارات المطلوبة؟ ولماذا يشكو أصحاب الأعمال من ضعف التأهيل؟
لكن ضعف الرواتب لا ينعكس فقط على العملية التعليمية.
بل يخلق مشكلات كثيرة داخل الجامعات نفسها.
فعندما يصبح الراتب غير كافٍ، تتحول البرامج الخاصة والوحدات ذات الطابع الخاص وعضوية اللجان والإشرافات والمناقشات والمناصب الإدارية إلى مصادر دخل تعويضية ، ومع الوقت تتحول هذه الملفات إلى ساحة تنافس وصراعات تستنزف وقت وجهد أعضاء هيئة التدريس.
فتنشغل العقول التي يفترض أن تفكر في تطوير المناهج والبرامج الدراسية وتحديث المقررات وإنتاج المعرفة وحل مشكلات المجتمع، بصراعات إدارية ومالية كان من الممكن تجنبها لو كانت الأوضاع المعيشية أكثر استقرارًا.
ويضيع جزء كبير من الوقت والجهد والصراعات في السعي للحصول على موقع إداري أو عضوية لجنة أو المشاركة في برنامج خاص، لأن هذه الأنشطة أصبحت تمثل مصدرًا مهمًا لتحسين الدخل.
كما يضطر كثير من أعضاء هيئة التدريس إلى العمل خارج الجامعة لساعات طويلة لتعويض ضعف الدخل وبعضهم يعمل في مهن لا تليق بمكانه الاستاذ الجامعي ولكن الاضطرار هو السبب.
تقل ساعات التواجد الفعلي داخل الجامعة، وتكثر الانتدابات والإعارات الخارجية، وتقل فرص التواصل مع الطلاب، وتضعف المتابعة الأكاديمية والإرشاد العلمي الذي يمثل أحد أهم أدوار الأستاذ الجامعي.
بل إن بعض الظواهر التي أصبحت مألوفة داخل الجامعات اليوم هي في حقيقتها أعراض لأزمة اقتصادية مزمنة.
ومن أخطر نتائج ضعف الرواتب ظهور ما يسمى "الكتاب الجامعي"، وهو مصطلح يُعد في حد ذاته سُبة في جبين التعليم الجامعي، لأنه يكاد يكون غائبًا عن الجامعات المتقدمة التي تقوم على تعدد المصادر والبحث المستقل. وعندما يصبح الكتاب الجامعي مصدر المعرفة الرئيسي ويتحول إلى نشاط اقتصادي داخل الجامعة، ويكون السؤال المستمر ليس في جودة محتوى الكتاب ولكن في العائد المادي منه ... تتراجع فلسفة التعليم الجامعي الحقيقية، ويخسر الطالب أهم ما يفترض أن تخرجه الجامعة: عقلًا قادرًا على البحث والتفكير المستقل.
ثم تظهر نتيجة أخرى شديدة الخطورة.
وهي عزوف كثير من المتفوقين عن العمل الأكاديمي أصلًا.
فالشباب المتفوق الذي كان يحلم يومًا بأن يصبح عضو هيئة تدريس، يرى أستاذه يتقاضى معاش لا يكفي قيمه فاتورة كهرباء وغاز ويضطر للتدريس لتقاضى مكافئة تعوض ضعف المعاش في وقت يفترض ان يستريح من عناء جهد سنوات عديدة.
فتفقد الجامعات تدريجيًا جزءًا من أفضل العناصر التي كانت تمثل مستقبلها.
كما تستمر هجرة الكفاءات العلمية إلى الخارج بحثًا عن بيئة توفر حياة كريمة وفرصة حقيقية للتفرغ للعلم والعمل.
ولهذا فإن الحديث عن ضعف رواتب أعضاء هيئة التدريس ليس شكوى شخصية، وليس استعطافًا لأحد. بل هو حديث عن جودة الخريج المصري، وعن مستوى التعليم، وعن قدرة الجامعات على التطور وخدمة مجتمعها. وعن كفاءة المعلم والطبيب والمهندس والقاضي الذين ستعتمد عليهم الدولة في المستقبل.
إن الدول لا تبني نهضتها بإنشاء مباني لجامعات جديدة وبأسماء مختلفة ما بين برامج خاصة وحكومية و أهلية وجامعات خاصة ، بل تبنيها بالعقول القادرة على الإدارة والإبداع والابتكار والتي تبدأ رحلتها من داخل الجامعات الحكومية العريقة بعقل خال من الهموم ليتفرغ للإبداع.
فإذا أردنا جامعة أقوى، وخريجًا أفضل، وتعليمًا أكثر جودة، فعلينا أن نوفر لأعضاء هيئة التدريس حياة كريمة تسمح لهم بالتفرغ الكامل لمهمتهم الحقيقية.
فالخطر الحقيقي ليس أن يتحدث الأستاذ الجامعي عن مشكلاته.
الخطر الحقيقي أن تستمر هذه المشكلات حتى تصبح الجامعة منشغلة بالبحث عن مصادر الدخل أكثر من انشغالها بصناعة المعرفة.
وعندها لن تكون الخسارة خسارة الأستاذ الجامعي وحده...
بل خسارة وطن بأكمله