عقب استقالة ستارمر.. لماذا هرب 6 رؤوساء وزراء من منصابهم ببريطانيا؟|تقرير
في ظل تصاعد الضغوط السياسية وتزايد الدعوات المطالبة برحيله من داخل حزب العمال والحكومة بريطانية، أعلن كير ستارمر، اليوم الاثنين، قراره الاستقالة من منصب رئيس وزراء المملكة المتحدة، منهيًا بذلك فترة سياسية كانت قد بدأت بوعود كبيرة لإعادة الاستقرار إلى البلاد.
وجاء إعلان استقالة كير ستارمر، بعد أيام من التكهنات المكثفة بشأن مستقبله السياسي، حيث أمضى ستارمر عطلة نهاية الأسبوع في مقر الإقامة الريفي الرسمي لرئيس الوزراء في (تشيكرز)، وهو يدرس خياراته في ظل تنامي المعارضة داخل حزبه وتراجع الثقة بقدرته على قيادة الحزب إلى الانتخابات المقبلة.
إذ تشكل استقالة ستارمر حلقة جديدة في سلسلة التغييرات السريعة التي شهدتها القيادة السياسية البريطانية خلال العقد الأخير، وبناءً عليه أصبح سادس رئيس وزراء يغادر منصبه خلال عشر سنوات فقط، ويعكس هذا الواقع حجم الاضطراب الذي عرفته السياسة البريطانية خلال السنوات الماضية؛ لدرجة أن القط الشهير (لاري)، المقيم في مقر رئاسة الوزراء بـ(داونينج ستريت)، بات قد أمضى في مقر الحكومة فترة أطول من جميع روؤساء الوزراء الستة الذين تعاقبوا على المنصب خلال هذه المرحلة.

استقالة ديفيد كاميرون
بدأت هذه السلسلة في عام 2016 عندما أعلن رئيس الوزراء المحافظ ديفيد كاميرون، استقالته عقب الاستفتاء الذي صوت فيه البريطانيون لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، وكان كاميرون قد أمضى ست سنوات في الحكم، وخلال ولايته سعى إلى تعزيز العلاقات مع الهند وأقام علاقة وثيقة مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، خاصة خلال زيارته إلى لندن عام 2015.
إلا أن نتيجة الاستفتاء شكلت ضربة سياسية له؛ نظرًا لأنه كان من أبرز المؤيدين لبقاء بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبي وبعد مغادرته رئاسة الحكومة، قرر أيضًا التخلي عن مقعده البرلماني، موضحًا أنه لا يريد أن يتحول إلى مصدر إزعاج أو تشتيت لخلفه والحكومة الجديدة.

استقالة تيريزا ماي منصبها في بريطانيا
وخلفت كاميرون في المنصب تيريزا ماي، التي تولت مهمة إدارة ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في واحدة من أكثر المراحل السياسية تعقيدًا في تاريخ البلاد الحديث، وكانت ماي ثاني امرأة تصل إلى رئاسة الوزراء في بريطانيا بعد مارجريت تاتشر؛ إلا أن مهمتهًا واجهت عقبات كبيرة، خاصًة في ما يتعلق بالحصول على موافقة البرلمان على اتفاقية بريكست؛ ولكن وبعد ثلاث سنوات فقط في السلطة، اضطرت إلى تقديم استقالتها في مايو 2019، وسط مشهد مؤثر غلبت عليه الدموع بعد سلسلة من الإخفاقات السياسية واستقالة أكثر من 35 وزيرًا من حكومتها.

استقالة بوريس جونسون
وجاء بعد ذلك بوريس جونسون، الذي نجح في الفوز بزعامة حزب المحافظين وتولي رئاسة الحكومة وكان جونسون، الصحفي السابق وخريج جامعتي (إيتون وأكسفورد)، قد تفوق على منافسه جيريمي هانت في سباق الزعامة، ورغم نجاحه في قيادة البلاد خلال مرحلة مهمة من تنفيذ بريكست، فأن حكومته واجهت سلسلة من الأزمات والجدل السياسي، مما أدى في النهاية إلى استقالته في يوليو 2022 بعد موجة غير مسبوقة من الاستقالات داخل فريقه الحكومي احتجاجًا على أسلوب إدارته.

استقالة البريطانية ليز تراس
أما ليز تراس، فقد دخلت التاريخ باعتبارها أقصر روؤساء الوزراء بقاء في المنصب؛ إذ لم تستمر حكومتها سوى 45 يومًا فقط، وجاءت استقالتها بعد أزمة اقتصادية حادة أثارتها خطتها المالية المثيرة للجدل، والتي أدت إلى اضطرابات كبيرة في الأسواق المالية البريطانية وتراجع حاد في قيمة الجنيه الإسترليني، فضلًا عن فقدانها الدعم داخل حزب المحافظين، وقدمت استقالتها في أكتوبر 2022 بعد يوم واحد فقط من تأكيدها أنها (مقاتلة وليست ممن يستسلمون).

استقالة ريشي سوناك من منصبه كرئيس وزراء بريطانيا
وفي أعقاب رحيل تراس، تولى ريشي سوناك رئاسة الوزراء؛ ليصبح أول بريطاني من أصول هندية يصل إلى هذا المنصب، وكان يبلغ من العمر 42 عامًا عند توليه السلطة ما جعله من أصغر روؤساء الوزراء في تاريخ المملكة المتحدة؛ إلا أن حكومته لم تتمكن من وقف تراجع شعبية حزب المحافظين بعد 14 عامًا في الحكم، ومع تزايد السخط الشعبي، انتهى عهد الحزب بخسارته الانتخابات العامة عام 2024؛ ليغادر سوناك مقر رئاسة الوزراء في يوليو من ذلك العام.

وعندما قاد كير ستارمر، حزب العمال إلى الفوز بالانتخابات، اعتبر كثيرون أن بريطانيا تدخل مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي بعد سنوات من الاضطرابات، ووعد ستارمر بإعادة بناء الاقتصاد وتحسين الخدمات العامة ومعالجة أزمة تكاليف المعيشة، غير أن حكومته واجهت صعوبات متزايدة في تحقيق هذه الأهداف، ومع مرور الوقت تصاعدت الانتقادات لأدائه، خاصة في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وتراجع مستوى الخدمات العامة.
كما تعرضت حكومته لانتكاسات سياسية عدة، كان أبرزها الهزيمة القاسية التي مني بها حزب العمال في الانتخابات الأخيرة، وهو ما أثار شكوكًا واسعة داخل الحزب حول قدرته على قيادة العمال إلى انتخابات عام 2029، وزادت الضغوط عليه بعد الجدل الذي أحاط بتعيين بيتر ماندلسون سفيرًا للمملكة المتحدة لدى الولايات المتحدة، بعدما أثيرت تساؤلات بشأن علاقاته السابقة بالممول الراحل جيفري إبستين.
ومع اتساع دائرة المطالبين برحيله من نواب حزب العمال وأعضاء حكومته، قرر ستارمر وضع حد للأزمة وإعلان استقالته رسميًا، وفي خطاب مؤثر أقر بأن حزبه لم يُعد يرى فيه الشخص الأنسب؛ لقيادته في الانتخابات المقبلة، مؤكدًا أنه يحترم هذا القرار ويتقبله بصدر رحب.
وفي أعقاب إعلان الاستقالة، برز اسم آندي بورنهام، كأحد أبرز المرشحين لخلافته في قيادة حزب العمال ورئاسة الحكومة، ويأتي ذلك بعد فوزه مؤخرًا بمقعد في البرلمان عبر انتخابات فرعية، إلا أن مسألة توليه القيادة لا تزال مفتوحة على عدة احتمالات، في ظل عدم اتضاح ما إذا كان سيواجه منافسين في السباق أم سيصل إلى المنصب بالتزكية.