رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

صلاح أبو سيف حكاية مخرج واجه الفقر والرقابة وصنع تاريخه السينمائي الخالد

صلاح أبو سيف
صلاح أبو سيف

في ذكرى رحيل المخرج الكبير صلاح أبو سيف، تستعيد السينما المصرية واحدًا من أبرز روادها الذين أعادوا تشكيل مفهوم “الواقعية” على الشاشة، وجعلوا من السينما مرآة صادقة للمجتمع المصري بكل طبقاته وتناقضاته. لم يكن أبو سيف مجرد مخرج، بل كان مشروعًا فكريًا وإنسانيًا امتد عبر عقود، حمل فيه هموم الفقراء وقضاياهم، وواجه عبر مسيرته محطات صعبة وأزمات قاسية صاغت رؤيته الفنية الصارمة والواقعية.

طفولة قاسية وعلاقة معقدة بالسلطة الأبوية

شكّلت نشأة صلاح أبو سيف المبكرة أحد أهم مفاتيح فهم عالمه السينمائي. فقد عاش طفولة مضطربة بسبب غياب والده، الذي كان عمدة ثريًا هجر والدته لرفضها الحياة في الريف، ولم يلتقِ به إلا مرة واحدة داخل قاعة المحكمة في قضية نفقة. هذا الجرح النفسي انعكس لاحقًا في أعماله، حيث كثيرًا ما قدّم صورة “العمدة” أو الإقطاعي بوصفه رمزًا للسلطة القاسية والاستبداد، كما ظهر في أفلام مثل “الزوجة الثانية”.

فقر البدايات وشغف لا ينكسر

واجه أبو سيف في بداياته ظروفًا مادية صعبة خلال عمله في شركة غزل المحلة، حتى إنه لم يكن قادرًا على شراء كتاب “الفن السينمائي” لبودوفكين، فقام بنسخه كاملًا بخط يده. وعندما حاول زملاؤه مساعدته للسفر إلى فرنسا عبر جمع تبرعات بسيطة من السجائر، لم تتجاوز المبالغ 35 جنيهًا، ولم تكن كافية لتحقيق حلمه، لكنه لم يتوقف عن السعي نحو السينما.

صدام مع الرقابة.. فيلم ظل محبوسًا 50 عامًا

كانت أولى تجاربه الإخراجية عام 1942 بفيلم “نمرة 6 – العمر واحد”، لكنها قوبلت بالمنع من وزارة الداخلية، التي اعتقدت أن الفيلم يسخر من الموت بسبب رقم “نمرة 6” المرتبط باستمارة الوفاة. وظل الفيلم حبيس الأدراج لعقود طويلة، ولم يُعرض إلا بعد نحو 50 عامًا في عام 1992، في واحدة من أكثر القصص دلالة على صدام الفن بالرقابة في تلك الحقبة.

واقعية قاسية في موقع التصوير

عرف صلاح أبو سيف بإصراره الشديد على الواقعية حتى في أدق التفاصيل، وهو ما ظهر بوضوح في فيلم “بداية ونهاية”، حيث أصر على أن تكون الصفعة التي يتعرض لها أحد الأبطال حقيقية. هذا الإصرار أدى إلى إصابة الفنانة سناء جميل بفقدان السمع في إحدى أذنيها بشكل دائم، وهو ما يعكس قسوة التجريب الفني في سبيل الوصول إلى الحقيقة الدرامية.

صدام مع الرقابة مجددًا.. “مدرسة الجنس”

في عام 1972 كتب أبو سيف سيناريو فيلم يناقش الثقافة الجنسية الخاطئة تحت عنوان “مدرسة الجنس”، مستعينًا بآراء أطباء ورجال دين، إلا أن العمل واجه رفضًا رقابيًا واجتماعيًا واسعًا. ولم يُعرض الفيلم إلا بعد رحيله، عام 2002، تحت عنوان “النعامة والطاووس”، ليبقى شاهدًا على جرأته في طرح القضايا المسكوت عنها.

أقواله.. سينما الفقراء والوعي

ارتبط اسم صلاح أبو سيف برؤية فكرية واضحة للسينما، عبّر عنها في العديد من تصريحاته، حيث قال:“أنا أحد الفقراء.. تعلمت السينما من أجل أن أدافع عنهم وأعرض قضاياهم”.

وأكد دائمًا أن الواقعية ليست مجرد تصوير للأحياء الشعبية، بل فهم عميق لأسباب الفقر والبؤس وسبل تغييره، معتبرًا أن السينما “ليست ترفيهًا فقط، بل أداة للوعي والتغيير الاجتماعي”. كما كان يرى أن قوة الفيلم تبدأ من السيناريو، قائلاً: “من المستحيل عمل فيلم جيد بسيناريو سيء حتى لو كان الإخراج عبقريًا”.

إرث سينمائي خالد

أخرج صلاح أبو سيف نحو 41 فيلمًا روائيًا، شكّلت علامات فارقة في تاريخ السينما المصرية، من بينها: “شباب امرأة”، “الفتوة”، “أنا حرة”، “بين السماء والأرض”، “القاهرة 30”، “الزوجة الثانية”، “السقا مات” وغيرها. وقد صُنّف 11 من أعماله ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، ما يعكس حجم تأثيره الاستثنائي.

يبقى صلاح أبو سيف أحد أهم أعمدة السينما الواقعية في العالم العربي، ليس فقط لما قدّمه من أفلام خالدة، بل لما حمله من رؤية إنسانية عميقة جعلت من السينما وسيلة لفهم المجتمع لا مجرد تسلية. وفي ذكرى رحيله، يظل إرثه حاضرًا كمرجع فني وفكري لا يتكرر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء