رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حصيفة.. حين أزهرت دمشق علمًا وعطرًا وحكايةً لا تنسى

حصيفة.. حين أزهرت
حصيفة.. حين أزهرت دمشق علمًا وعطرًا وحكايةً لا تنسى

في إطار حرص المركز القومي للترجمة على إعادة تقديم أبرز الأعمال الأدبية والتاريخية التي تمزج بين المعرفة والخيال السردي، يواصل المركز تسليط الضوء على إصداراته التي تعيد إحياء محطات من التاريخ الإنساني في قالب روائي شيق، ومن بينها رواية "حصيفة.. عالمة النبات الدمشقية" للكاتبة الفرنسية Simone Laflorel-Zakri، والتي ترجمها عن اللغة الفرنسية عاصم عبد ربه، لتقدم عملًا أدبيًا يستعيد أجواء دمشق في القرن الثالث عشر الميلادي، حيث يتداخل العلم بالحياة اليومية، وتتشكل ملامح مجتمع نابض بالمعرفة والتجربة الإنسانية في زمن مضطرب.

دمشق في القرن الثالث عشر

تأخذ الرواية القارئ إلى قلب دمشق في مرحلة تاريخية شديدة الاضطراب، حيث كانت المنطقة تعيش توازنًا دقيقًا بين فترات من الهدوء النسبي وموجات متتابعة من الصراعات والغزوات. وفي هذا السياق التاريخي، تبدأ الأحداث مع استقبال طبيب دمشقي ضرير لطبيب موريسكي اضطر إلى مغادرة الأندلس عقب سقوطها في يد الممالك الكاثوليكية، في مشهد يفتح الباب أمام تلاقح ثقافي ومعرفي واسع.

ومن خلال هذا التفاعل، تتبلور ملامح عالم علمي بارز هو ابن البيطار، الذي يكرس جهوده لدراسة النباتات الطبية وتصنيفها، ومقارنتها بما ورد في مؤلفات الأوائل مثل ديسقوريدس وجالينوس، في محاولة لإعادة بناء المعرفة الطبية على أسس أكثر دقة وتجريبية.

"الأدوية المفردة"

تتعمق الرواية في تتبع مسار إعداد كتاب "الأدوية المفردة"، حيث يظهر ابن البيطار بوصفه نموذجًا للعالم الذي يجمع بين المعرفة النظرية والتجربة العملية، في سعي دائم لتصحيح الأخطاء المتوارثة وإضافة ملاحظاته المستمدة من العمل داخل المستشفى ومن النقاشات العلمية مع معاصريه.

وتبرز دمشق في الرواية كفضاء مفتوح على المعرفة، تستقبل العلماء واللاجئين والرحالة، الذين تتقاطع مصائرهم داخل مجالس علمية تتحول إلى منصات للحوار وتبادل الخبرات، بما يعكس روحًا فكرية تتجاوز حدود الجغرافيا والانتماء.

حصيفة

في قلب هذا المشهد، تتصدر شخصية حصيفة الأحداث بوصفها محورًا إنسانيًا يربط بين العوالم المختلفة داخل الرواية، حيث تتولى خدمة المجالس العلمية وتدير تفاصيل الحياة اليومية، بمساعدة أحد أبنائها أحيانًا، في صورة تعكس حضور المرأة داخل النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمدينة.

ومن خلال منظورها، ينفتح القارئ على تفاصيل دقيقة للحياة الدمشقية؛ من روائح التوابل في المطابخ، إلى تنوع الفواكه والمشروبات الباردة، وصولًا إلى الحبوب العطرية التي تعكس ثراء البيئة الطبيعية والمعرفية في آن واحد، بما يمنح الرواية بعدًا حسّيًا حيًا يجعل التاريخ أقرب إلى التجربة المعيشة.

الأسواق الدمشقية

كما ترصد الرواية مشاهد نابضة من الأسواق الدمشقية، حيث تتجاور الأقمشة الفاخرة والحرير والمخمل المطرز مع حركة البيع والشراء، في مشهد يعكس ديناميكية اقتصادية واجتماعية معقدة. وتبرز علاقة حصيفة بهذه العوالم من خلال ارتباطها بتجارة زوجها، بما يضيف بعدًا جديدًا لشخصيتها ويكشف تداخل الأدوار بين الخاص والعام داخل المجتمع آنذاك.

لا تقدم "حصيفة.. عالمة النبات الدمشقية" مجرد سرد تاريخي، بل تطرح رؤية إنسانية شاملة لعصر تتجاور فيه المعرفة مع الاضطراب، وتتشكل فيه الحياة اليومية من تفاصيل بسيطة تحمل في طياتها دلالات عميقة عن الاستمرارية والبحث عن المعنى.

وبهذا، تظل الرواية نافذة على زمن ازدهرت فيه العلوم والفنون رغم التحديات، لتؤكد أن الإنسان كان وما زال جوهر الحكاية، وأن المعرفة تظل أحد أهم أشكال مقاومة الفناء والنسيان.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء