عندما نتأمل الأجيال الجديدة التي تتعاقب يومًا بعد يوم، يساورنا شعور متزايد بالقلق تجاه المستقبل. فالكثير من الظواهر السلوكية التي نشهدها اليوم تشير إلى تغيرات عميقة في شخصية الإنسان المعاصر، تغيرات قد تتحول إلى أزمة حقيقية إذا استمرت بالوتيرة نفسها.
وعند محاولة فهم أسباب هذه الظواهر، نجد أن كل جيل يحمل قدرًا أكبر من الانعزال والأنانية والبرود العاطفي مقارنة بمن سبقه. والأخطر من ذلك أن بعض الآباء والأمهات الذين يتولون تربية هذا الجيل يعانون هم أنفسهم من هذه الصفات، دون إدراك لحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم عند تكوين أسرة وإنجاب أطفال يحتاجون إلى الرعاية والتوجيه وصناعة الشخصية.
لقد أصبحت تربية الأبناء بالنسبة للبعض مهمة ثانوية، بينما تحولت الهواتف الذكية إلى المربي الأول في حياة الطفل. فمنذ سنواته الأولى يُمنح الطفل هاتفًا محمولًا يقضي أمامه ساعات طويلة، يشاهد ما يشاء من محتوى قد يكون ضارًا بصحته النفسية والعقلية والسلوكية. ليس لأن ذلك هو الخيار الأفضل، بل لأن كثيرًا من الآباء لم يعودوا مستعدين لتخصيص الوقت والجهد اللازمين للتربية الحقيقية.
وهكذا، بدلًا من تنشئة إنسان يمتلك المشاعر والقيم والقدرة على التفاعل الإنساني، نجد أنفسنا أمام جيل يرتبط بالشاشات أكثر من ارتباطه بالبشر. جيل يراقب الحياة من خلف شاشة، ويتعامل مع الأحداث بصفة “المتفرج” لا “المشارك”.
وقد تجلت هذه الظاهرة بوضوح في العديد من الوقائع المؤلمة التي انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يتعرض شخص للاعتداء أو التنمر، بينما يقف العشرات من حوله منشغلين بالتصوير وتوثيق المشهد بدلًا من التدخل لإنقاذه أو منعه. لقد أصبح تسجيل الحدث بالنسبة للبعض أهم من تغيير مساره.
إن ما يثير القلق حقًا هو أن قيم الشهامة والنخوة والتعاطف الإنساني لم تعد حاضرة بالقوة نفسها التي عرفتها الأجيال السابقة. فالتعرض المستمر لسيل هائل من الأخبار والمشاهد والمقاطع جعل المشاعر الإنسانية أكثر هشاشة وأقصر عمرًا؛ يفرح الإنسان لثوانٍ، ثم يحزن لثوانٍ أخرى، ثم ينتقل إلى حدث جديد، حتى فقدت المشاعر عمقها واستقرارها وأصبح التفاعل مع الحياة سطحيًا وعابرًا.
ومن هنا يبرز سؤال مؤلم: لماذا يصر البعض على إنجاب الأطفال إذا كانوا غير مستعدين لتحمل مسؤولية تربيتهم؟ فالأبناء ليسوا مجرد إضافة إلى المنزل أو صورة جميلة للأسرة، بل مشروع إنساني يحتاج إلى وقت وجهد وصبر وتضحية. يحتاج إلى حضن دافئ قبل أن يحتاج إلى هاتف ذكي، وإلى حوار حقيقي قبل أن يحتاج إلى شاشة مضيئة.
إن استمرار هذا النهج في التربية قد يقود إلى مجتمع يعاني من ضعف الانتماء وتراجع الأخلاق وتآكل الروابط الإنسانية، مجتمع يسوده الفردية المفرطة والصراع على المصالح الشخصية، حتى يصبح الإنسان غريبًا عن أخيه الإنسان.
إن مسؤوليتنا تجاه أبنائنا لا تقتصر على توفير الطعام والملبس والتعليم، بل تمتد إلى غرس القيم والمبادئ والرحمة والاحترام داخل نفوسهم. فالأطفال لا يحتاجون إلى أجهزة أكثر تطورًا، بل إلى آباء وأمهات أكثر حضورًا في حياتهم.
وعندما نمنح أبناءنا الحب والاهتمام والتوجيه، ونبذل من أجلهم الوقت والجهد، فإننا لا نصنع أفرادًا ناجحين فحسب، بل نصنع إنسانًا حقيقيًا يحمل في قلبه الإنسانية والأخلاق، ويستطيع أن يكون إضافة إيجابية لمجتمعه ووطنه.