مراحل شكلت تجربتها .. أعمال متنوعة عبر مسيرة السندريلا على الشاشة
لم تتطور المسيرة الفنية لسعاد حسني بشكل تقليدي، بل قسمت إلى مراحل متنوعة عبر محاور عدة شكلت ملامح تجربتها الفريدة، ومثلت حالة فنية متكاملة، جمعت مواهب متعددة فنجحت في التنقل عبر أنماط السينما المختلفة.
الاستعراض والكوميديا الاجتماعية
شهدت فترة الستينيات والسبعينيات لسعاد حسني، تفجير طاقتها كفنانة شاملة، ولم تكن هذه الأعمال مجرد ترفيه، بل ناقشت قضايا التحرر والطبقية بقالب رشيق، ففي فيلم "شاعة حب" عام 1960 الذي أخرجه فطين عبد الوهاب، وتصدر لاحقا قوائم الأفلام الكوميدية المصرية، جسدت فيه دور "سميحة" الفتاة السطحية المعجبة بالمظاهر، أمام عمر الشريف ويوسف وهبي، وكذلك فيلم "صغيرة على الحب" عام 1966 الذي أدت فيه الشخصية المزدوجة المعقدة أداء وحركة في دور سميحة الطفلة ذات الضفائر والممثلة الشابة أمام رشدي أباظة وللمخرج نيازي مصطفى.
وجسدت في فيلم "خلي بالك من زوزو" عام 1972 الذي صاغ السيناريو صلاح جاهين وأخرجه حسن الإمام، شخصية "زينب عبد الكريم" الطالبة الجامعية التي تعاني من الوصمة الاجتماعية لعمل والدتها كراقصة شعبية في شارع محمد علي، ويأتي فيلم "أميرة حبي أنا" عام 1975، استكمالا لثنائيتها مع حسين فهمي والمخرج حسن الإمام، وقدمت فيه استعراضات غنائية أيقونية رسخت مفهوم النجمة الشاملة مثل أغنية "الدنيا ربيع".
أفلام الواقعية والمواجهة الاجتماعية
في هذه المرحلة، تخلت سعاد حسني عن بريق الاستعراض لتقدم الوجه الحقيقي للمرأة المصرية في الريف والمدينة، فلعبت في فيلم "السفيرة عزيزة" عام 1961 أمام شكري سرحان، دور الفتاة الشعبية التي يحاصرها جشع شقيقها عدلي كاسب في حارة مصرية تجسد صراع الحق والباطل، وأدت في التحفة الواقعية للمخرج صلاح أبو سيف فيلم "الزوجة الثانية" عام 1967، دور "فاطمة" الفلاحة التي تجبر على الزواج من العمدة المستبد صلاح منصور، لكنها تغلبه بذكائها الفطري، وقد نالت عن هذا الدور جائزة وزارة الثقافة المصرية، أما فيلم "أهل القمة" عام 1981 للمخرج علي بدرخان وعن قصة نجيب محفوظ، فقد ناقش الفيلم بجرأة التغيرات الاقتصادية وانفتاح السبعينيات من خلال شخصية "سهام".
أدوار الأمراض النفسية والازدواجية
أثبتت سعاد حسني أن أدواتها التمثيلية تتفوق على الملامح الشكلية عبر أدوار مركبة نفسيا، مثل فيلم "بئر الحرمان عام 1969" للمخرج كمال الشيخ، والذي جسدت فيه ببراعة علمية دور "ناهد" التي تعاني من انفصام الشخصية الحاد الفتاة الملتزمة نهارا واللعوب ميرفت ليلا نتيجة عقدة نفسية من الطفولة، وفيلم "شيء من العذاب" عام 1969 الذي قدمت فيه شخصيتين مختلفتين تماما في الملامح والطباع (آمال وسلوى) أمام أحمد مظهر، وفيلم "أين عقلي" عام 1974 الذي ناقش النفاق الاجتماعي ونظرة الرجل الشرقي للمرأة من خلال شخصية "عايدة" التي يحاول زوجها الطبيب النفسي (محمود ياسين) إيهامها بالجنون.
السينما السياسية الجريئة
شكلت أفلامها السياسية وثيقة درامية هامة لحقبة مفصلية في تاريخ مصر، مصل فيلم "القاهرة 30" عام 1966 عن رواية "القاهرة الجديدة" لنجيب محفوظ وإخراج صلاح أبو سيف، حيث لعبت دور "إحسان" الفتاة التي يدفعها الفقر لتصبح عشيقة لرجل ذو نفوذ، مجسدة الفساد السياسي في العهد الملكي، وغروب وشروق عام 1970 للمخرج كمال الشيخ، حيث لعبت دور "مديحة" ابنة رئيس القلم السياسي المستبد، والتي تصبح أداة لكشف تنظيم وطني يواجه بطش والدها، ونالت عنه جائزة أحسن ممثلة في المهرجان القومي الأول للأفلام الروائية 1971، وفيلم "الكرنك" عام 1975 هو العمل الأكثر إثارة للجدل، من إخراج علي بدرخان، وجسدت دور الطالبة الجامعية "زينب دياب" التي تتعرض للاعتقال السياسي والتعذيب، فصارت صرختها في الفيلم رمزا لرفض القمع.
سينما النضج والعمق الإنساني
شهدت ختام مسيرتها تعاونا استثنائيا مع جيل مخرجي الواقعية الجديدة وأدواراً أكثر قتامة وعمقا، مثل فيلم "المشبوه" عام 1981 للمخرج سمير سيف، وقفت فيه لأول مرة أمام عادل إمام لتؤدي دور "بطة"، المرأة التي تحاول مع زوجها التوبة عن حياة الجريمة ومواجهة ماضيهما، و"موعد على العشاء" عام 1981 رائدة الواقعية النفسية مع المخرج محمد خان، حيث أدت دور "نوال" التي تقع ضحية لانتقام وسيطرة طليقها المستبد (حسين فهمي) لتنتهي الأحداث بنهاية مأساوية شهيرة، و"حب في الزنزانة" عام 1983 للمخرج محمد فاضل وأمام عادل إمام، وجسدت فيه مشاعر الحب التي تنمو خلف القضبان كمتنفس وحيد لضحايا مجتمع استغلالي، و"الراعي والنساء" عام 1991 فيلمها الأخير من إخراج علي بدرخان، وشاركتها البطولة أحمد زكي ويسرا، حيث قدمت دور الأرملة "وفاء" التي تعيش في عزلة جغرافية ونفسية، وصور الفيلم صراع الرغبات الإنسانية الدفينة بشكل عبقري صامت.
أفلام السندريلا في قائمة الأفضل تاريخيا
يتجلى الاعتراف النقدي بعبقرية سعاد حسني السينمائية بشكل رقمي حاسم في الاستفتاء التاريخي الذي أجراه مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 1996 لاختيار أفضل مئة فيلم في مسيرة السينما المصرية بمناسبة مئويتها، حيث هيمنت السندريلا على القائمة كبطلة مطلقة بتسعة أعمال مفصلية.
وتأتي في مقدمة هذه التحف رواية "القاهرة 30" عام 1966 للمخرج صلاح أبو سيف كدراما سياسية وتاريخية تؤرخ للفساد، تلاها مباشرة في عام 1967 فيلم "الزوجة الثانية" لنفس المخرج، والذي يعد ذروة الواقعية الريفية والاجتماعية في الفن العربي، ومع مطلع السبعينيات، فرضت حضورها بالتشويق السياسي في فيلم "غروب وشروق" عام 1970 مع المخرج كمال الشيخ، لتدخل بعد ذلك مباشرة عالم المخرج يوسف شاهين الفلسفي عبر فيلم "الاختيار" عام 1971 الذي غاص في سيكولوجية النفس البشرية، وهو العام ذاته الذي قدمت فيه تجربة استثنائية مع المخرج سعيد مرزوق في فيلم "زوجتي والكلب" لترسم ببراعة ملامح الشك والغيرة، وغيرها من الأفلام التي كرست اسم سعاد حسني كأهم وجه نسائي مر على تاريخ الشاشة العربية.