رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

السردية الوطنية والهوية القومية.. خط الدفاع الأول عن مستقبل الأوطان

سيد حسني عمارة
سيد حسني عمارة

صرح سيد حسني عمارة، الرئيس التنفيذي لمبادرة إدراك وطن مصر للتنمية المستدامة، بأنه في ظل عالم يشهد تغيرات متسارعة وصراعات متنامية على الوعي والثقافة والذاكرة التاريخية، لم تعد معركة الأمم تقتصر على الحدود الجغرافية أو القدرات الاقتصادية والعسكرية فحسب، بل أصبحت تمتد إلى مساحة أكثر عمقًا وتأثيرًا تتمثل في معركة السرديات والهوية الوطنية، باعتبارها إحدى أهم أدوات تشكيل الوعي الجمعي وحماية المجتمعات من محاولات التشويه والتفكيك.

السردية الوطنية

وأوضح عمارة أن السردية الوطنية ليست مجرد رواية للأحداث التاريخية أو استدعاء لأمجاد الماضي، وإنما تمثل الإطار الفكري والمعرفي الذي يفسر للأجيال القادمة قصة وطنها ويمنحها القدرة على فهم حاضرها واستشراف مستقبلها. وأضاف أن الأمم لا تعيش فقط بالأحداث التي مرت بها، بل بالطريقة التي تروي بها هذه الأحداث لأبنائها، لأن تلك الرواية تصبح جزءًا من وجدان المجتمع ومصدرًا لتكوين شخصيته الوطنية.

وأشار إلى أن السردية الوطنية تمثل الوعاء الذي تتشكل داخله قيم الانتماء والمواطنة والمسؤولية الوطنية، كما أنها تعد الحصن الحقيقي الذي يحمي المجتمعات من محاولات إعادة تشكيل الوعي وفق أجندات خارجية تستهدف زعزعة الاستقرار وضرب الهوية الثقافية والوطنية للشعوب.

معركة الوعي

وأكد أن طبيعة الصراعات في العصر الحديث شهدت تغيرًا كبيرًا، فلم تعد المواجهات تعتمد فقط على أدوات القوة التقليدية من اقتصاد أو سلاح أو نفوذ سياسي، بل أصبحت معركة الوعي والثقافة أحد أهم أدوات التأثير بين الدول والمجتمعات.

وأضاف أن هناك محاولات عديدة لإعادة صياغة الوعي المجتمعي وتغيير المفاهيم والثوابت لدى الشعوب من خلال وسائل متعددة، أبرزها الإعلام والمنصات الرقمية والثقافة العابرة للحدود، وهو ما يجعل الحفاظ على الهوية الوطنية ضرورة استراتيجية لا تقل أهمية عن الحفاظ على الأمن القومي بمفهومه التقليدي.

كيف نجحت الدول الكبرى في بناء سردياتها؟

وأشار عمارة إلى أن الدول الكبرى أدركت مبكرًا أهمية بناء سردياتها الوطنية، ولذلك استثمرت بصورة كبيرة في التعليم والثقافة والإعلام ومراكز البحث العلمي بهدف ترسيخ روايتها الخاصة حول تاريخها ومكانتها ودورها الحضاري.

وأوضح أن هذه الدول عملت على تقديم صورة متماسكة عن نفسها للأجيال المتعاقبة، الأمر الذي أسهم في بناء شعور قوي بالانتماء وتعزيز الثقة الوطنية لدى مواطنيها، في حين عانت بعض الشعوب الأخرى من فرض سرديات خارجية عليها، ما أدى إلى إضعاف ثقتها في تاريخها وهويتها وقدرتها على بناء مشروعها الوطني المستقل.

السردية المصرية 

وأكد الرئيس التنفيذي لمبادرة إدراك وطن مصر للتنمية المستدامة أن إعادة الاعتبار للسردية الوطنية المصرية أصبحت ضرورة مهمة خلال المرحلة الحالية، باعتبارها امتدادًا لحضارة إنسانية فريدة تجاوز عمرها آلاف السنين وأسهمت بشكل كبير في تشكيل التاريخ الإنساني.

وأضاف أن مصر لم تكن يومًا مجرد حدود جغرافية أو مساحة على الخريطة، بل كانت ولا تزال دولة ذات رسالة حضارية وثقافية وإنسانية ممتدة عبر التاريخ، واستطاعت رغم ما مرت به من تحديات وتحولات أن تحافظ على شخصيتها وهويتها الوطنية.

وأشار إلى أن التاريخ المصري زاخر بالمواقف والأحداث التي تؤكد قدرة الدولة المصرية على تجاوز الأزمات والحفاظ على تماسكها الحضاري والثقافي، وهو ما يجعلها نموذجًا فريدًا في استمرارية الهوية عبر العصور المختلفة.

الهوية القومية ليست دعوة للانغلاق

وشدد عمارة على أن الهوية القومية ليست مفهومًا انعزاليًا أو أداة للانغلاق على الذات، بل تمثل أساسًا للانفتاح الواعي على العالم، موضحًا أن الأمم الواثقة من هويتها تكون الأكثر قدرة على التفاعل الإيجابي مع الثقافات المختلفة دون أن تفقد خصوصيتها أو تذوب داخل ثقافات أخرى.

وأضاف أن الحفاظ على الهوية لا يعني رفض الحداثة أو معاداة التطور، وإنما يعني امتلاك القدرة على الاستفادة من التجارب الإنسانية المختلفة مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية والوطنية.

وأكد أن تعزيز الهوية الوطنية لا يتعارض مع قيم الحداثة والتقدم، بل يعد شرطًا رئيسيًا لتحقيق تنمية مستدامة قائمة على الثقة بالنفس والاعتزاز بالانتماء.

وأضاف عمارة أن المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية تتحمل مسؤولية كبيرة في بناء وعي وطني مستنير قادر على التمييز بين الحقائق ومحاولات التضليل، وبين المعرفة الموضوعية ومحاولات تزييف الوعي.

وأشار إلى أن هذه المؤسسات مطالبة بالقيام بدور أكبر في تقديم المحتوى الذي يعزز الانتماء الوطني ويربط الأجيال الجديدة بتاريخها وقيمها الحضارية، خاصة في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم.

وأكد كذلك أهمية تمكين الشباب من فهم تاريخهم وإدراك دورهم في صناعة المستقبل، باعتبارهم الحراس الحقيقيين للهوية الوطنية في مواجهة مختلف التحديات الراهنة.

بناء الإنسان أساس بناء الجمهورية الجديدة

وأوضح أن بناء الجمهورية الجديدة لا يقتصر على تشييد المدن الحديثة أو تطوير البنية التحتية أو تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة، وإنما يتطلب أيضًا بناء الإنسان المصري الواعي بجذوره الحضارية والمؤمن بقيمة وطنه والقادر على الإسهام الفاعل في مسيرة التنمية والتقدم.

وأضاف أن التنمية الحقيقية لا تتحقق فقط بالمشروعات والمنشآت، وإنما تبدأ من بناء الإنسان وتعزيز وعيه وثقافته وقدرته على المشاركة الإيجابية في المجتمع.

واختتم عمارة تصريحاته بالتأكيد على أن السردية الوطنية والهوية القومية تمثلان أحد أهم مقومات الأمن القومي الشامل، مشيرًا إلى أن الأوطان لا تُبنى بالقوة المادية وحدها، وإنما تحتاج أيضًا إلى قوة الفكرة ووضوح الرؤية وعمق الانتماء.

وأضاف أن الأمة التي تمتلك سرديتها الخاصة وتثق في هويتها تصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة مستقبلها بإرادتها الحرة وثقتها الراسخة بذاتها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء