سيد محمود: باسم خندقجي خاض مغامرة فنية وإنسانية تتجاوز حدود السجن| خاص
أكد الكاتب سيد محمود أن تجربة الروائي والأسير الفلسطيني باسم خندقجي لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد تجربة مرتبطة بسيرة شخصية أو ظروف استثنائية عاشها داخل المعتقل، وإنما بوصفها مشروعًا إبداعيًا يقوم على مغامرة فنية وفكرية معقدة. وأوضح أن القارئ غير المعتاد على هذا النوع من الكتابة قد يشعر في البداية بشيء من التباعد أو الصعوبة، لكنه يرى أن هذا الإحساس ليس عيبًا في النص، بل يمثل عتبة أولى للدخول إلى عالمه.
وأشار في تصريحات خاصة لـ "إيجبتك"، إلى أن اللغة داخل النصوص لا تتحرك بصورة واحدة أو مستقرة، بل تنتقل من مستوى إلى آخر ومن شخصية إلى أخرى. ففي بعض المواضع تبدأ اللغة تقريرية ومباشرة، ثم تتحول تدريجيًا إلى لغة أكثر كثافة وشاعرية، تمتلئ بالمجازات والتعبيرات التي تمنح النص أبعادًا أعمق. ويرى أن هذا التباين في اللغة يرتبط بطبيعة الشخصيات نفسها، وأفعالها، وحالات الصراع التي تعيشها.
تجربة خندقجي
وأضاف أن أحد أبرز عناصر التميز في تجربة خندقجي يتمثل في عدم استسلامه لنمط كتابي واحد، إذ لا يكرر أدواته أو يعيد إنتاج نفسه، وإنما يبحث باستمرار عن مساحات جديدة للتجريب. كما أن هذا التنوع يعكس خروج العمل من إطار التعبير الذاتي الضيق إلى أفق إبداعي أكثر اتساعًا.
وأكد أن الأعمال التي يكتبها خندقجي لا تنفصل عن السياق الثقافي والتاريخي الفلسطيني، لكنها في الوقت نفسه لا تتحول إلى وثيقة مباشرة أو خطاب سياسي صريح، بل تظل محتفظة بطابعها الأدبي والفني. وأوضح أن هذا الأمر يضع النصوص أمام تحديات نظرية وفنية معقدة، ويجعلها قادرة على إثارة أسئلة تتجاوز اللحظة الراهنة.
وأشار إلى أن ما يجري في غزة خلال السنوات الأخيرة أعاد طرح كثير من الأسئلة الأخلاقية الكبرى، موضحًا أن ما يحدث هناك دفع الكثيرين إلى مراجعة أفكارهم ومواقفهم. وأكد أن الإنسان حين يشاهد هذا القدر من الألم والدمار يصبح مضطرًا لإعادة التفكير في قضايا كان يعتقد سابقًا أنه حسمها.
وتابع أن الرواية الحقيقية لا تقوم فقط على الحكاية أو الأحداث، وإنما على قدرتها على طرح أسئلة جديدة ومستمرة. ويرى أن الأدب يمتلك دورًا مهمًا في اختبار هذه الأسئلة، خصوصًا حين يعجز الواقع أحيانًا عن تقديم إجابات واضحة لها.
لعبة الأقنعة
وأكد أن تجربة باسم خندقجي لا يمكن اختزالها في إطار "أدب السجون" فقط، لأن هذا التصنيف قد يظلمها أحيانًا أو يحصرها داخل زاوية ضيقة. وأوضح أن بعض تجارب أدب السجون انشغلت بالتوثيق والرصد المباشر، بينما ذهبت تجارب أخرى إلى أبعاد أكثر تأملًا وإنسانية، وهو ما يراه حاضرًا بقوة في مشروع خندقجي.
وأضاف أن تجربة الاعتقال نفسها أسهمت في صقل أدواته وتطوير تجربته، لكنها لم تصنع موهبته من الصفر، موضحًا أن الموهبة كانت موجودة، بينما جاءت التجربة لتمنحها عمقًا إضافيًا وتجعلها أكثر اشتباكًا مع الواقع.
واختتم بالتأكيد على أن أحد العناصر اللافتة في أعمال خندقجي هو ما وصفه بـ"لعبة الأقنعة" أو تبادل الأدوار بين الشخصيات، معتبرًا أن هذه التقنية تمنح النص حيوية دائمة، وتدفع القارئ إلى مواصلة القراءة واكتشاف التحولات الجديدة داخل العمل. كما أنها تجعل الرواية ليست مجرد حكاية تُروى، وإنما تجربة عقلية وفنية تحرض القارئ على التفكير والتأمل المستمر.