سلامة الصدر.. الأوقاف تنشر النص الكامل لموضوع خطبة الجمعة القادمة
حددت وزارة الأوقاف، موضوع خطبة الجمعة القادمة، لتكون تحت عنوان "سلامة الصدر وأثرها في السلم المجتمعي" منوهة أن الهدف المراد توصيله من هذه الخطبة هو التوعية بأهمية صفاء النفس وسلامة الصدر وأثرهما في نشر السلم في المجتمع.
وذكرت وزارة الأوقاف، أن موضوع الخطبة الثانية سيكون بعنوان: التحذير من التشكيك ونشر روح التشاؤم.
سلامة الصدر من صفات الأنبياء
وصف الله تعالى خليلَه إبراهيم عليه السلام، بهذه الصفة الجليلية فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِن شِیعَتِهِۦ لَإِبۡرَٰهِیمَ ٨٣ إِذۡ جَاۤءَ رَبَّهُۥ بِقَلۡبࣲ سَلِیمٍ﴾، أي: "بقلب سليم من الشرك ومن غيره من الآفات كالحسد والغل والخديعة والرياء، والمراد بمجيئه ربه بقلبه: إخلاص قلبه لدعوة الحق، واستعداده لبذل نفسه وكل شيء يملكه في سبيل رضا ربه عز وجل".
وهذا يوسف عليه السلام حينما التقى بإخوته قال لهم على سبيل الصفح والعفو ﴿لَا تَثۡرِیبَ عَلَیۡكُمُ ٱلۡیَوۡمَۖ یَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِینَ﴾، ثم أعلن سلامة صدره تجاههم حيث أسند ما فعلوه معه إلى الشيطان؛ لأن في ذلك سترًا عليهم وتأدبًا معهم فقال حكاية عنه: ﴿مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّیۡطَٰنُ بَیۡنِی وَبَیۡنَ إِخۡوَتِیۤۚ﴾.
أما سيدنا محمد؛ فقد بلغ في طهارة القلب وسلامته من الأحقاد والضغائن وسائر الآفات القلبية غاية الكمال، حتى استحق أن يمتن الله سبحانه وتعالى عليه بقوله: ﴿أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ﴾، فلم يكن شرح الصدر النبوي مجرد سعة في الصبر وقوة التحمل، بل كان نورًا وإيمانًا ورحمةً وحِلمًا وعفوًا، حتى اتسع قلبه للناس جميعًا؛ يؤذيه قومه فيعفو، ويكذبونه فيدعو لهم، ويخرجونه من وطنه ثم يقول لهم يوم الفتح: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءِ»، فكان أصفى الناس صدرًا، وأطهرهم قلبًا، وأبعدهم عن الغل والحقد والانتقام للنفس.
سلامة الصدر من صفات أهل الجنة
وأخبر سبحانه ما هم عليه في الجنة من صفاء نفسي، ونقاء قلبي فقال تعالى: ﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِی صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرࣲ مُّتَقَٰبِلِینَ﴾.
رَوَى الْقَاسِمُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: “يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ عَلَى مَا فِي صُدُورِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الشَّحْنَاءِ وَالضَّغَائِنِ حَتَّى إِذَا تَوَافَوْا وَتَقَابَلُوا نَزَعَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ غِلٍّ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِی صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ﴾”.
عن أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «يَخْلُصُ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ...، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ» [رواه البخاري].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، وَالَّذِينَ عَلَى إِثْرِهِمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ وَلاَ تَبَاغُضَ» [رواه البخاري].
سلامة الصدر من أفضل الأعمال
العبرة في ميزان الله تعالى بحقيقة ما يستقر في القلب من صفاء وإخلاص ومحبة للخلق، ولذلك قال بعض الصالحين: "أفضل الأعمال سلامة الصّدور، وسخاوة النّفوس، والنّصيحة للأمّة؛ وبهذه الخصال بلغ مَن بلغ، لا بكثرة الاجتهاد في الصّوم والصّلاة" [لطائف المعارف]، فكم من عملٍ قليلٍ عَظُم عند الله لِمَا صاحَبَه من نقاء القلب، وكم من عملٍ كثيرٍ حُرم صاحِبه بركته بسبب ما امتلأ به قلبه من غلٍّ أو حسدٍ أو بغضاء.
ومن كمال خُلُق النبي ﷺ وعظيم أدبه أنه كان يحرص على بقاء قلبه نقيًّا تجاه أصحابه، بعيدًا عن أسباب الجفوة وسوء الظن، فقال: «لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» [رواه أبو داود]، إنها مدرسة نبوية تُعلِّم المؤمِنَ أن يحفظَ قلبه من سماع ما يورث الضغائن، وأن يلتمس لإخوته الأعذار، ليظل رابط المحبة أقوى من دواعي الفرقة والنزاع.
الشحناء سبب في عدم قبول الأعمال
من أعظم الآفات التي تُفسد على العبد سيره إلى الله تعالى، وتحرمه نفحات الرحمة والمغفرة، ما يستقر في القلب من شحناء وعداوة وبغضاء للمسلمين، فكم من إنسانٍ يجتهد في الطاعات، ويحرص على القربات، ثم تحُول الخصومات والأحقاد بينه وبين تمام الانتفاع بعمله، لأن الله تعالى يريد من عباده قلوبًا متآلفة متراحمة، لا نفوسًا متنافرة متدابرة، ولذلك حذَّر النبي ﷺ من خطورة الشحناء، وبيَّن أنها سبب في تأخير المغفرة وحرمان صاحبها من فضل الله، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» [رواه مسلم].
أسباب سلامة الصدر
١- كثرة الدعاء واللجوء إلى الله، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رَسُول اللهِ ﷺ يقول فِي دُعَائِهِ: «اللهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا» [متفق عليه].
وعن شَدَّاد بْن أَوْسٍ قال كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا أَنْ نَقُولَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَأَسْأَلُكَ عَزِيمَةَ الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا، وَقَلْبًا سَلِيمًا» [رواه الترمذي والنسائي].
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي» [رواه ابن ماجه].
٢- حسن الظن بالخلق، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسۡتَوِی ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّیِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِی بَیۡنَكَ وَبَیۡنَهُۥ عَدَٰوَةࣱ كَأَنَّهُۥ وَلِیٌّ حَمِیمࣱ﴾ [فصلت: ٣٤].
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: "كَتَبَ إِلَيَّ بَعْضُ إِخْوَانِي مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: "أَنْ ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ مَا لَمْ يَأْتِكِ مَا يَغْلِبُكَ، وَلَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ شَرًّا وَأَنْتَ تَجِدُ لَهُ فِي الْخَيْرِ مَحْمَلًا ... وَمَا كَافَأْتَ مَنْ عَصَى اللهَ فِيكَ بِمِثْلِ أَنْ تُطِيعَ اللهَ فِيهِ" [رواه البيهقي].
ودخلَ الرَّبيعُ بنُ سُليمانَ على الإمام الشَّافعي رضي اللهُ عنه وهو مريضٌ فقالَ له: "قوَّى اللهُ ضَعفَك"، أخطأَ في التَّعبيرِ، فقال الشافعي: "لو قوَّى اللهُ ضَعفي لقتلني"، فقالَ الرَّبيعُ: "واللهِ ما أردتُ إلا الخيرَ"، قالَ الشَّافعيُّ: "أعلمُ أنك لو شَتمتني لم تُرِد إلا الخيرَ" [رواه ابن أبي حاتم في "آداب الشافعي ومناقبه"].
تجنب مجالس الغيبة والنميمة فهي تملأ القلوب غيظًا وحنقا على الناس؛ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَأَبْغَضَكُمْ إِلَى اللَّهِ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْمُلْتَمِسُونَ لِلْبُرَآءِ الْعَنَتَ» [رواه الطبراني في المعجم الكبير].
الخطبة الثانية
حين تتكاثر الشبهات، وتتعالى أصوات التشكيك، وتُبثُّ روح التشاؤم في النفوس، تبرز الحاجة إلى ترسيخ اليقين الذي به تحيا القلوب وتستقيم الحياة، فالتشكيك المفْرط لا يورث صاحبه علمًا ولا طمأنينة، بل يبدد الأمل، ويُضعف العزيمة، ويُشيع في المجتمعات أجواءً من السلبية والحيرة والإحباط تعوق مسيرة البناء والعمران.
وما الإيمان إلا ثمرة من ثمار اليقين، يقوى بقوته ويضعف بضعفه؛ فكلما ازداد العبد يقينًا بربه ووعده وقدره، ازداد ثباتًا وطمأنينةً وحسنَ ظنٍّ بالله تعالى، ولذلك عدَّ الصالحون اليقين من أجلِّ ما يُمنحه العبد، فقال سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "إنَّ أَعْظَمَ الْخَطَايَا اللِّسَانُ الْكَذُوبُ، وَخَيْرَ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ، وَخَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى، وَرَأْسَ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ اللَّهِ، وَخَيْرَ مَا أُلْقِيَ فِي الْقُلُوبِ الْيَقِينُ" [الزهد لهناد].
ومن هنا تأتي أهمية مواجهة هذه الآفة الخطيرة، ليس بمجرد الإنكار عليها، بل بتصحيح المفاهيم المغلوطة التي تغذيها، وكشف آثارها المدمرة على الفرد والمجتمع، وغرس المعاني الإيمانية الصحيحة.
جاء الإسلام باليقين وطرد الشك
جاء الإسلام ليبني القلوب على اليقين، ويحرر العقول من أسر الشكوك والأوهام، فاليقين هو النور الذي تهتدي به الأرواح، والركن الذي تستند إليه النفوس في مواجهة الفتن والمتغيرات.
وقد عبَّر العلماء عن اليقين بتعريفات متعددة تلتقي جميعها عند حقيقة واحدة، وهي رسوخ الإيمان وثباته في القلب، يقول الحكيم الترمذي: "هو نور يحدث على قلبك من نور معرفتك، ونور إلهك الذي هو نور السماوات والأرض ونور كل شيء، فإذا أقبلت على الله تبارك اسمه، أشرق القلب بالنور، فذلك اليقين" [أدب النَّفس]، فاليقين إشراقٌ رباني يبدد ظلمات الشك، ويمنح القلب بصيرة يرى بها حقائق الأمور على وجهها الصحيح.
وقد فرَّق العلماء بين العلم واليقين، فالعلم هو إدراك الحقيقة ومعرفتها، أما اليقين فهو سكون النفس وطمأنينة القلب إلى ما علم، حتى يصبح الإيمان حقيقةً حاضرةً في الوجدان لا تعصف بها الشبهات ولا تزعزعها الحوادث، ولذلك كان اليقين أخصَّ من العلم وأبلغ أثرًا في حياة المؤمن.
ولعظيم منزلة اليقين أكثر القرآن الكريم من الثناء على أهله، فجعلهم أهل الهداية والفلاح، فقال سبحانه: ﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡمِنُونَ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡءَاخِرَةِ هُمۡ یُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]، وجعل الإمامة في الدين ثمرةً للصبر واليقين فقال: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةࣰ یَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُوا۟ۖ وَكَانُوا۟ بِءَایَٰتِنَا یُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]، ووصف القرآن بأنه بصائر وهدى ورحمة لأهل اليقين فقال: ﴿هَٰذَا بَصَٰۤئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدࣰى وَرَحۡمَةࣱ لِّقَوۡمࣲ یُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٢٠]
