الذهب يفقد مكاسبه عالميًا ويصعد محليًا.. هل بدأ السوق تسعير مخاطر الدولار؟
كشف «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية» عن استمرار حالة التباين بين حركة أسعار الذهب في السوق المحلية والأسواق العالمية، حيث سجلت الأسعار في مصر ارتفاعًا خلال تعاملات اليوم السبت، بالتزامن مع عطلة البورصات العالمية، في الوقت الذي تواصل فيه الأوقية العالمية تسجيل خسائر أسبوعية متتالية تحت ضغط قوة الدولار الأمريكي وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية.
وأوضح المرصد أن هذا الأداء المتباين يعكس حالة من إعادة التوازن داخل السوق المحلية، حيث تتزايد عمليات التحوط ضد أي تحركات محتملة في سعر صرف الدولار، مقابل استمرار الضغوط على الذهب عالميًا نتيجة السياسة النقدية الأمريكية المتشددة.
تراجع أسبوعي عالمي للذهب رغم استقرار مؤقت
وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، إن الأوقية العالمية سجلت خسائر أسبوعية بنحو 1.5%، لتغلق تعاملات الأسبوع عند مستوى 4155 دولارًا، منخفضة بنحو 74 دولارًا خلال الأسبوع المنتهي مساء الجمعة، في استمرار لموجة تراجع امتدت لستة أسابيع متتالية.
وأضاف أن التراجع يأتي في ظل استمرار تأثير السياسة النقدية الأمريكية، وارتفاع مؤشر الدولار، إلى جانب صعود عوائد سندات الخزانة، وهو ما يقلل من جاذبية الذهب باعتباره أحد الأصول التي لا تحقق عائدًا دوريًا.
وعلى صعيد السوق المصرية، أشار فاروق إلى أن سعر جرام الذهب عيار 21 ارتفع بنحو 10 جنيهات خلال تعاملات اليوم، ليسجل نحو 6050 جنيهًا، مقارنة بمستويات إغلاق أمس، رغم الضغوط العالمية.
كما سجل جرام الذهب عيار 24 نحو 6914 جنيهًا، وبلغ سعر جرام الذهب عيار 18 نحو 5186 جنيهًا، في حين استقر سعر الجنيه الذهب عند مستوى 48400 جنيه، مع استمرار الطلب المحلي على المشغولات والسبائك كأداة ادخارية.
وأوضح أن هذا الارتفاع المحلي يأتي بعد تراجع سجلته الأسعار خلال تعاملات أمس الجمعة، حيث فقد الجرام عيار 21 نحو 45 جنيهًا، قبل أن يعاود الصعود مع بداية تداولات اليوم بالتزامن مع تحركات السوق غير الرسمية.
علاوة سعرية تؤكد زيادة الطلب المحلي
وأكد مدير مرصد الذهب أن السوق المحلية ما زالت تتداول عند علاوة سعرية تقترب من 250 جنيهًا فوق السعر العادل المحسوب وفق السعر العالمي وسعر صرف الدولار، وهو ما يعكس استمرار الطلب على الذهب، خاصة السبائك والجنيهات الذهبية، إلى جانب توجه شريحة من المتعاملين للتحوط من تقلبات العملة المحلية.
وأضاف أن جزءًا من هذه التحركات يعكس تسعيرًا مبكرًا لاحتمالات الضغط على سعر صرف الجنيه خلال الفترة المقبلة، وهو ما يدفع بعض التجار والمستثمرين إلى زيادة حيازاتهم من الذهب كأصل آمن.
الدولار يظل المحرك الرئيسي للأسواق
وأشار فاروق إلى أن مؤشر الدولار الأمريكي يواصل لعب الدور الأهم في تحديد اتجاهات الذهب عالميًا ومحليًا، خاصة مع استمرار توقعات الإبقاء على أسعار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
وأوضح أن قوة الدولار وارتفاع العوائد على السندات الأمريكية يدفعان بعض التدفقات الاستثمارية للخروج من الأسواق الناشئة، ما قد ينعكس على السيولة الدولارية داخل تلك الأسواق، ومن بينها السوق المصرية، وبالتالي يؤثر بشكل غير مباشر على أسعار الذهب.
كما لفت إلى أن ارتفاع الدولار يؤدي أيضًا إلى زيادة تكلفة الواردات، ما يضيف ضغوطًا تضخمية قد تدفع البنوك المركزية، ومنها البنك المركزي المصري، إلى اتباع سياسة نقدية أكثر حذرًا خلال الفترة المقبلة.
خسائر ممتدة منذ بداية الشهر والعام
وكشف «مرصد الذهب» أن موجة التصحيح الحالية تعد من أكبر موجات التراجع خلال الفترة الأخيرة، حيث فقد جرام الذهب عيار 21 نحو 715 جنيهًا منذ بداية يونيو، بعدما انخفض من 6765 جنيهًا إلى 6050 جنيهًا.
وعلى المستوى العالمي، تراجعت الأوقية بنحو 385 دولارًا منذ بداية الشهر، في حين تقلصت مكاسب الذهب المحلية منذ بداية عام 2026 إلى نحو 3.8% فقط، بما يعادل نحو 220 جنيهًا للجرام، بعد أن كانت قد سجلت مستويات أعلى بكثير خلال الربع الأول من العام.
وفي قراءته لحركة السوق، أوضح مرصد الذهب أن التراجعات الأخيرة تعكس في الأساس عملية إعادة تسعير لتوقعات السياسة النقدية الأمريكية، بعد تأكيدات استمرار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، مع احتمالات إبقاء السياسة النقدية مشددة في حال استمرار الضغوط التضخمية.
وأكد أن ما تشهده الأسواق لا يمثل موجة بيع عشوائية، وإنما عملية إعادة تمركز للمستثمرين وإدارة للمخاطر، وهي سمة طبيعية في مراحل التصحيح داخل الأسواق المالية.
العوامل الداعمة طويلة الأجل لا تزال قائمة
ورغم الضغوط الحالية، أشار المرصد إلى أن الأسس الداعمة للذهب ما زالت قائمة، وعلى رأسها استمرار مشتريات البنوك المركزية لتنويع الاحتياطيات بعيدًا عن الدولار، وارتفاع مستويات الدين العالمي، إلى جانب استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي.
واعتبر أن هذه العوامل تظل داعمة للذهب على المدى الطويل، حتى مع استمرار التقلبات الناتجة عن السياسة النقدية الأمريكية وتغير توقعات أسعار الفائدة.
وتتوافق الرؤية مع توجهات بعض المؤسسات المالية العالمية، ومنها بنك «غولدمان ساكس»، الذي خفض مستهدفه لسعر الذهب بنهاية العام إلى نحو 4900 دولار للأوقية، مع الإبقاء على نظرة إيجابية طويلة الأجل للمعدن النفيس، مدعومة باستمرار طلب البنوك المركزية، رغم توقعات بضغط قصير الأجل نتيجة السياسة النقدية الأمريكية.