في ذكرى رحيله.. وليام جولدنج أديب نوبل الذي جسد الفن إرثه الأدبي
تحل اليوم، ذكرى رحيل الأديب البريطاني الكبير السير وليام جولدنج أحد أبرز قامات الأدب العالمي في القرن العشرين، والحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1983 تقديرا لرواياته التي أضاءت الإنسانية بأسلوب واقعي وتأثير أسطوري، تاركا إرثا أدبيا وفلسفيا عميقًا يغوص في تعقيدات النفس البشرية والصراع الأبدي بين الحضارة والهمجية.
حياته ومسيرته الأدبية
ولد جولدنج في كورنوال بإنجلترا، ونشأ في بيئة علمية متأثرا بوالده الذي كان معلما للعلوم، لكن شغفه قاده لدراسة الأدب الإنجليزي في جامعة أكسفورد، وقبل أن يتفرغ للكتابة، عمل جولدنج معلما للغة الإنجليزية والفلسفة، وهي التجربة التي منحته مراقبة عن قرب لسلوك الأطفال وطبيعتهم الفطرية.
شهدت مسيرته تحولا جذريا مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، إذ انضم إلى البحرية الملكية البريطانية وشارك في أحداث جسيمة مثل إغراق البارجة الألمانية "بسمارك" وإنزال نورماندي، هذه التجربة المباشرة مع أهوال الحرب دمرت إيمانه ببراءة الإنسان المطلقة، وصاغت رؤيته السوداوية التي تظهر في جل أعماله، حيث آمن بأن الشر ليس مجرد منتج للنظم السياسية، بل هو جزء كامن في الطبيعة البشرية ينتظر غياب سلطة القانون ليطفو على السطح.
في عام 1954، نشر روايته الأولى والأكثر شهرة "أمير الذباب "Lord of the Flies" بعد أن رفضت من قبل أكثر من عشرين دار نشر، وحققت الرواية نجاحا عالميا ساحقًا وتحولت إلى مادة دراسية أساسية حول العالم، وتوالت بعد ذلك أعماله الروائية البارزة مثل "الورثة" عام 1955، و"البرج" عام 1964، وثلاثيته البحرية الشهيرة "إلى أطراف الأرض" التي افتتحها برواية "طقوس العبور" عام 1980 ونال عنها جائزة "بوكر" المرموقة، قبل أن يتوج بنوبل، ثم يمنح لقب "فارس" من الملكة إليزابيث الثانية عام 1988.
أعمال فنية مأخوذة من رواياته
لم تقف أفكار جولدنج عند حدود الورق، بل ألهمت مخيلة المخرجين وصناع السينما والتلفزيون لتقديم معالجات بصرية آسرة، منها فيلم "أمير الذباب" عام 1963 إخراج بيتر بروك، والذي يعد المعالجة السينمائية الأكثر إخلاصا للنص الأصلي، حيث اعتمد المخرج البريطاني بيتر بروك على أسلوب شبه وثائقي واستعان بأطفال هواة غير محترفين لتجسيد دور الصبية العالقين في الجزيرة بعد تحطم طائرتهم، وقد نجح الفيلم في نقل الأجواء النفسية المشحونة والتحول التدريجي من مجتمع صبياني منظم إلى قبيلة همجية تمارس القتل، وصنف كأحد كلاسيكيات السينما العالمية.
أما النسخة الأمريكية من فيلم "أمير الذباب" عام 1990، من إخراج هاري هوك، فقد جاءت لتقدم قراءة معاصرة في فترة التسعينيات، وتم تغيير هوية الصبية ليكونوا طلابا في مدرسة عسكرية أمريكية، ورغم أن الفيلم حظي بإنتاج أضخم ومؤثرات بصرية حديثة، إلا أن بعض النقاد رأوا أنه افتقد لعمق الفلسفة الرمزية والقتامة النفسية التي تميزت بها نسخة 1963 والروية الأصلية، وفي قفزة نوعية لتقديم أعمال جولدنج للشاشات الحديثة، أصدرت شبكة"BBC" البريطانية بالتعاون مع منصة "نيتفليكس" العالمية في فبراير ومايو الماضيين، مسلسلا قصيرا مؤلفا من أربعة حلقات، من كتابة السيناريست الحائز على الإيمي جاك ثورن، وحظي المسلسل بإشادة نقدية واسعة حيث خصصت كل حلقة لاستكشاف الانهيار النفسي والأخلاقي لشخصية رئيسية (رالف وبيجي وسايمون وجاك) بعمق تفصيلي لم تتيحه الأفلام السابقة، وبمباركة رسمية من عائلة جولدنج.
وامتدت الاقتباسات إلى مسلسل "إلى أطراف الأرض "To the Ends of the Earth عام 2005، الذي انتجته أيضا "BBC" في عام كمسلسل درامي قصير من ثلاثة أجزاء مأخوذ عن ثلاثية جولدنج البحرية الحائزة على البوكر، بطولة النجم البريطاني بيندكت كامبرباتش، والذي جسد فيه رحلة أرستقراطي شاب على متن سفينة متجهة إلى أستراليا في القرن التاسع عشر، ونال العمل مدحا هائلا من النقاد ووصفته صحيفة "الجارديان" بأنه أفضل دراما تلفزيونية في ذلك العام.