السلام بين واشنطن وطهران ينعش القاهرة.. ماذا تقول الأرقام؟
لا توجد لغة أكثر صدقاً من لغة الأرقام عندما يتعلق الأمر بقياس التحولات الاقتصادية الكبرى. فبعد الإعلان النهائي عن اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وإيران، لم يعد الحديث عن تحسن الاقتصاد المصري مجرد توقعات أو رهانات مستقبلية، بل تحول إلى مؤشرات رقمية بدأت تظهر بوضوح في سوق الصرف، والبورصة، وإيرادات النقد الأجنبي، وحتى في توقعات التضخم والاستثمار.
وخلال أسابيع قليلة فقط، بدأت الأسواق المصرية تعكس حالة مختلفة تماماً عن تلك التي سيطرت على المنطقة طوال العامين الماضيين، عندما كانت التوترات الجيوسياسية تضغط على حركة التجارة العالمية، وترفع تكلفة الطاقة والشحن والتأمين، وتؤثر على تدفقات الاستثمار الأجنبي.
الدولار يكسر حاجز الـ50 جنيهاً
أبرز المؤشرات التي لفتت انتباه الأسواق تمثلت في تراجع سعر الدولار الأمريكي داخل البنوك المصرية إلى أقل من 50 جنيهاً للمرة الأولى منذ مارس الماضي، ليسجل نحو 49.85 جنيه للشراء و49.97 جنيه للبيع.
هذا التراجع لا يمثل مجرد حركة سعرية عابرة، بل يعكس تحسناً واضحاً في تدفقات النقد الأجنبي وتراجع الضغوط على سوق الصرف، خاصة أن الدولار كان يتحرك فوق مستويات 52 جنيهاً قبل أسابيع قليلة فقط.
ويمنح استقرار سعر الصرف الشركات والمستوردين قدرة أكبر على التخطيط، كما يحد من الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع تكلفة الواردات.
قناة السويس تستعيد عافيتها
أحد أكبر المستفيدين من التهدئة الإقليمية هي قناة السويس، التي عانت خلال العامين الماضيين من اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
الأرقام الرسمية تشير إلى نمو إيرادات القناة بنسبة 24.2% خلال الربع الثاني من العام المالي الجاري، فيما ارتفعت الإيرادات السنوية بنحو 19%، وزادت الحمولات الصافية للسفن العابرة بنسبة 16%.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة إذا ما قورنت بالخسائر التي تعرضت لها حركة الملاحة العالمية خلال فترات التوتر، والتي انعكست بشكل مباشر على إيرادات القناة وتدفقات العملة الأجنبية.
ومع عودة الاستقرار للممرات البحرية وتراجع تكاليف التأمين والشحن، تبدو الفرصة متاحة أمام القناة لاستعادة جزء كبير من حصتها المفقودة خلال الفترة الماضية.
تحويلات المصريين بالخارج تواصل الصعود
في الوقت نفسه، سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج نحو 39.2 مليار دولار خلال أول عشرة أشهر من العام المالي الحالي.
وتؤكد هذه الأرقام استمرار ثقة المصريين بالخارج في القطاع المصرفي المحلي، خاصة مع استقرار سوق الصرف واختفاء الفجوة الكبيرة التي كانت قائمة بين السعر الرسمي وغير الرسمي خلال فترات سابقة.
وتظل التحويلات أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري، إلى جانب السياحة وقناة السويس والاستثمار الأجنبي المباشر.
التضخم يتراجع بقوة
ربما يكون المؤشر الأكثر ارتباطاً بحياة المواطنين هو التضخم، الذي شهد تراجعاً ملحوظاً مقارنة بمستوياته التاريخية المرتفعة.
فبعد أن تجاوز التضخم مستوى 38% خلال ذروة الأزمة في عام 2023، تراجع حالياً إلى نحو 14.6%، بينما سجل التضخم الأساسي 13.8%.
وتتوقع المؤسسات الدولية استمرار هذا الاتجاه النزولي خلال الفترة المقبلة، مع استقرار متوسط التضخم قرب مستويات 13% خلال عام 2026.
ويمثل هذا التراجع أحد أهم نتائج استقرار سعر الصرف وانخفاض الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية وتراجع أسعار الطاقة.
أسعار النفط تمنح الاقتصاد دفعة إضافية
ساهم الاتفاق الأمريكي الإيراني في هبوط أسعار النفط العالمية بشكل ملحوظ، وهو تطور يحمل أهمية خاصة لمصر باعتبارها مستورداً صافياً للمنتجات البترولية.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن كل دولار انخفاض في متوسط أسعار النفط العالمية يوفر عشرات الملايين من الدولارات على فاتورة الاستيراد والطاقة، وهو ما يخفف الضغط على الموازنة العامة ويحسن ميزان المدفوعات.
كما ينعكس تراجع أسعار الطاقة على تكلفة الإنتاج والنقل والخدمات، بما يدعم جهود احتواء التضخم.
الفائدة تدخل مرحلة جديدة
ومع استمرار تراجع التضخم وتحسن المؤشرات الاقتصادية، بدأت الأسواق تتوقع اتجاهاً متزايداً نحو خفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
وتستقر أسعار الفائدة الحالية عند مستويات 19% للإيداع و20% للإقراض، إلا أن عدداً من المؤسسات المالية يتوقع خفضاً تدريجياً قد يصل إلى ما بين 5 و7 نقاط مئوية خلال المدى المتوسط إذا استمرت المؤشرات الاقتصادية في التحسن.
ويعني ذلك انخفاض تكلفة التمويل أمام الشركات والمستثمرين، وتحفيز النشاط الاقتصادي والتوسع الإنتاجي.
ميزان المدفوعات يتحسن
الصورة الكلية للاقتصاد تعكس كذلك تحسناً في المؤشرات الخارجية؛ إذ تراجع عجز ميزان المدفوعات بنسبة 13.6%، مدعوماً بزيادة إيرادات السياحة وقناة السويس وتحويلات العاملين بالخارج.
كما حافظ الاحتياطي النقدي الأجنبي على مستويات قوية تدعم قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية وتعزز ثقة المستثمرين.
هل بدأت مرحلة الازدهار؟
لا يمكن اختزال مستقبل الاقتصاد المصري في اتفاق سياسي واحد، لكن الأرقام الحالية تشير بوضوح إلى أن التهدئة الإقليمية منحت الاقتصاد دفعة قوية في توقيت بالغ الأهمية.
الدولار يتراجع، والتضخم ينخفض، وإيرادات قناة السويس تتعافى، وتحويلات المصريين بالخارج تواصل الصعود، وأسعار النفط تتحرك في اتجاه أكثر ملاءمة للموازنة العامة.
ويبقى السؤال الأهم، هل تنجح مصر في تحويل هذا التحسن المؤقت إلى دورة نمو طويلة الأجل تعتمد على الاستثمار والإنتاج والتصدير؟ أم أن الأمر سيظل مرتبطاً بمتغيرات المشهد الجيوسياسي العالمي؟
الإجابة ستكشفها الأرقام خلال الأشهر المقبلة، لكن المؤكد أن الاقتصاد المصري يقف اليوم في موقع أفضل كثيراً مما كان عليه قبل أشهر قليلة.