رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من دمشق إلى برلين:

مقاهي "سونينالي" تعيد رسم الخريطة الثقافية للعاصمة الألمانية

أرشيفية
أرشيفية

في مدينة اشتهرت عبر تاريخها بتعدد الهويات والثقافات، نجح شارع "سونينالي" في حي نيوكولن البرليني في صناعة قصة حضرية بعدما تحول من منطقة هامشية في جنوب شرقي العاصمة الألمانية إلى أحد أشهر الرموز العربية في أوروبا، حتى بات يُعرف بين السكان المحليين والزوار باسم "شارع العرب" أو "دمشق المصغرة".

 

لم يكن هذا التحول مجرد تغير في تركيبة المحال التجارية أو لافتات الشوارع، بل كان انعكاساً لتحولات اجتماعية وثقافية عميقة حملتها موجات الهجرة العربية المتعاقبة، وخاصة بعد عام 2015. وفي قلب هذه التحولات برزت المقاهي العربية بوصفها أكثر من مجرد أماكن للترفيه أو احتساء القهوة، إذ أصبحت  أماكن لإعادة بناء الروابط الاجتماعية، وحفظ الذاكرة الجماعية، وصياغة هوية جديدة تجمع بين الانتماء للشرق والعيش في الغرب.

 

سونينالي.. حين تتحدث برلين بالعربية

يمتد شارع سونينالي عبر حي نيوكولن، أحد أكثر أحياء برلين تنوعاً سكانياً وثقافياً ، ورغم أن الجاليات اللبنانية والفلسطينية أسهمت منذ ثمانينيات القرن الماضي في منح الشارع ملامحه العربية الأولى، فإن وصول عشرات الآلاف من السوريين خلال العقد الأخير منح المكان زخماً غير مسبوق.

 

تبدلت ملامح الشارع بصورة ملفته ، فواجهات المتاجر والمقاهي امتلأت بالخط العربي، وانتشرت روائح القهوة بالهيل والحلويات الشامية، بينما تحولت الأرصفة إلى مساحات اجتماعية نابضة بالحياة العربية ، تستحضر مشاهد دمشق وحلب وبيروت أكثر مما تستحضر الصورة التقليدية للشوارع الألمانية.

 

كما أسهمت هذه الحركة التجارية النشطة في تنشيط الاقتصاد المحلي، فارتفعت القيمة التجارية للعقارات والمحال، وأصبح الشارع مقصداً يومياً لآلاف الزوار من مختلف أنحاء برلين وخارجها.

و لا يمكن الحديث عن سونينالي دون التوقف عند مقاهيه التي أصبحت القلب النابض للشارع ، وتتنوع هذه المقاهي بين نماذج مختلفة تعكس تنوع الجاليات العربية نفسها.

 

فالمقاهي الشامية التقليدية تحافظ على أجواء الحارات القديمة، حيث تتجاور النرجيلة مع أكواب الشاي والقهوة العربية، وتدور النقاشات حول السياسة والرياضة وأخبار الوطن البعيد.

 

وفي المقابل، ظهرت مقاهي حديثة أسسها شباب عرب جمعوا بين روح الضيافة الشرقية وثقافة القهوة المختصة الأوروبية، لتصبح ملتقى للطلاب والباحثين والمبدعين العرب والألمان، ومساحة للتفاعل الثقافي بعيداً عن الصور النمطية المتبادلة.

 

أما المقاهي المدمجة بالمطاعم ومحال الحلويات، فقد تحولت إلى وجهة عائلية بامتياز، تستقطب الأسر العربية من مختلف مناطق ألمانيا الباحثة عن نكهة المشرق وأجوائه الاجتماعية.

 

"سفارات شعبية" للمهاجرين

 

تؤدي المقاهي في شارع العرب وظائف تتجاوز بكثير دورها الاقتصادي التقليدي ، فبالنسبة للقادمين الجدد، تمثل هذه الأماكن مراكز إرشاد غير رسمية يتم فيها تبادل المعلومات حول السكن والعمل والإجراءات الحكومية، بما يشبه شبكة دعم اجتماعي تطوعية تساعد على فهم تعقيدات الحياة الألمانية.

 

كما تحولت إلى  ساحات لاستعادة الذاكرة الجماعية ، حيث تُروى قصص المدن المفقودة وتجارب اللجوء والعبور، في عملية مستمرة لحفظ الذاكرة الشفوية ومداواة جراح المنفى.

 

ولم تتوقف أدوارها عند هذا الحد، إذ أصبحت بعض المقاهي والمراكز الثقافية المحيطة بها منصات للأمسيات الشعرية والعروض الموسيقية وتوقيع الكتب، مما جعلها جزءاً من المشهد الثقافي العربي الجديد في أوروبا.

 

ورغم النجاح الكبير الذي حققه الشارع، فإنه لا يخلو من الجدل ، فبينما يرى كثيرون أن سونينالي نموذج ناجح للتعددية الثقافية، يعتبره بعض المنتقدين مثالاً لما يسمى "المجتمع الموازي"، حيث يمكن للفرد أن يعيش ويتعامل باللغة العربية دون احتكاك كاف بالمجتمع الألماني.

 

كما يواجه الشارع تحدياً آخر يتمثل في موجات ارتفاع الإيجارات التي يشهدها حي نيوكولن، وهو ما يهدد استمرار العديد من المشاريع الصغيرة التي أسهمت في تشكيل هويته الحالية.

 

إلى جانب ذلك، تخضع بعض المقاهي، وخاصة مقاهي الشيشة، لرقابة وتفتيش متكرر من الجهات المختصة، الأمر الذي يثير أحياناً نقاشات حول حدود الرقابة ومخاوف التمييز أو التنميط.

 

تكشف تجربة "شارع العرب" في برلين أن المقهى يمكن أن يكون أكثر من مكان للجلوس أو شرب القهوة ، فقد يصبح مساحة لإعادة بناء الوطن في المنفى، وجسراً بين الثقافات، وأداة لإعادة تشكيل المدينة نفسها.

 

وفي سونينالي، لم يحمل العرب معهم ذكرياتهم فقط، بل حملوا أيضاً قدرتهم على صناعة الحياة ، فحولوا شارعاً عادياً إلى معلم حضري وثقافي بارز، وأثبتوا أن الهجرة ليست مجرد انتقال للأفراد، بل انتقال للأفكار والعادات والذاكرة والروح

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء