رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ذكرى وفاة جوزيه ساراماجو.. صاحب “العمى” الذي غير شكل الرواية العالمية

جوزيه ساراماجو
جوزيه ساراماجو

تحل اليوم ذكرى وفاة الأديب البرتغالي العالمي جوزيه ساراماجو، الحاصل على جائزة نوبل في الأدب، وأحد أبرز الكتّاب الذين تركوا بصمة واضحة في الرواية العالمية الحديثة، حيث ارتبط اسمه بأعمال أدبية ذات طابع فلسفي وإنساني عميق، تناولت قضايا الوجود والسلطة والعدالة والحرية بأسلوب سردي مميز.

ولد ساراماجو في أسرة ريفية بسيطة في البرتغال، ونشأ في بيئة اجتماعية متواضعة لم تسمح له بإكمال مساره التعليمي بشكل تقليدي، حيث اضطر إلى ترك الدراسة في سن مبكرة نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة، قبل أن ينخرط في سوق العمل من خلال وظائف يدوية مختلفة، من بينها العمل في مجالات الميكانيكا وصناعة المعادن، وهو ما ساعده لاحقًا على تكوين رؤية واقعية تجاه الطبقات الاجتماعية المهمشة.

انتقاله إلى عالم الصحافة والنشر

بدأ التحول الحقيقي في مسيرة ساراماجو المهنية عندما اتجه إلى العمل في مجال النشر في لشبونة، حيث اكتسب خبرة واسعة في التعامل مع الكتب والمجلات والنصوص المكتوبة، ثم تطورت مسيرته ليعمل في الصحافة والترجمة، وهو ما أتاح له فرصة الاطلاع على تيارات فكرية وسياسية متنوعة داخل البرتغال وخارجها، وأسهم في تشكيل وعيه الأدبي والفكري الذي انعكس لاحقًا في أعماله الروائية.

التوجه الفكري وبداية الكتابة الأدبية

في عام 1969 انضم ساراماجو إلى الحزب الشيوعي البرتغالي، وهو ما شكّل نقطة تحول مهمة في رؤيته الفكرية، حيث أصبح أكثر ارتباطًا بالقضايا الاجتماعية والإنسانية في كتاباته. وخلال فترة السبعينيات، عمل في الصحافة في مرحلة سياسية حساسة شهدت تحولات كبرى في البرتغال، إلا أن مواقفه الفكرية أدت إلى فقدانه منصبه لاحقًا، ما دفعه إلى التفرغ التدريجي للكتابة الأدبية بشكل كامل.

بداية الشهرة الأدبية المتأخرة

لم يبدأ صعود ساراماجو الأدبي إلا في مرحلة متأخرة من حياته، حيث شرع في كتابة الرواية بشكل جاد في الخمسينيات من عمره، ليقدم لاحقًا أعمالًا روائية اتسمت بأسلوب سردي مختلف يعتمد على الجمل الطويلة وتداخل الأصوات وكسر التقاليد السردية الكلاسيكية. وقد تناولت أعماله موضوعات إنسانية كبرى مثل الموت، والمعرفة، والسلطة، والهوية، والحرية، في إطار فلسفي عميق.

أبرز أعماله الأدبية وانتشارها العالمي

قدم ساراماجو مجموعة من الأعمال التي حققت انتشارًا واسعًا عالميًا، من بينها روايات أصبحت علامات في الأدب المعاصر، حيث تُرجمت أعماله إلى عشرات اللغات، وحققت مبيعات ضخمة في أوروبا وخارجها. وتميزت كتاباته بقدرتها على إعادة تقديم الأحداث من زوايا غير تقليدية، مع التركيز على الإنسان في مواجهة الظروف القاسية والأنظمة المختلفة، ما جعل أعماله محل دراسة ونقد في العديد من الأوساط الأدبية.

جائزة نوبل والاعتراف الدولي

في عام 1998، حصل ساراماجو على جائزة نوبل في الأدب، ليصبح أول كاتب باللغة البرتغالية ينال هذا التكريم، في اعتراف دولي بمسيرته الأدبية وإسهاماته في تطوير فن الرواية. وجاءت الجائزة تتويجًا لسنوات طويلة من الكتابة التي مزجت بين الأدب والفلسفة والتاريخ، وقد ساعدت على توسيع نطاق انتشار أعماله عالميًا بشكل أكبر.

الجدل الفكري والمنفى

عرف ساراماجو بمواقفه الفكرية والسياسية المثيرة للجدل، حيث كان من أبرز المؤيدين للتيارات اليسارية، وهو ما عرضه لانتقادات من مؤسسات دينية وسياسية مختلفة. كما كان ملحدًا، وعبّر في العديد من أعماله عن رؤيته للعالم من منظور إنساني نقدي. وفي عام 1992، وبعد أزمة أثارت جدلًا واسعًا حول إحدى رواياته، غادر البرتغال واستقر في جزيرة لانزاروت الإسبانية، حيث عاش هناك حتى وفاته عام 2010.

بعد وفاته، بقي إرث ساراماجو الأدبي حاضرًا بقوة في المشهد الثقافي العالمي، حيث استمرت أعماله في الانتشار والقراءة والدراسة الأكاديمية، كما تُرجمت إلى أكثر من 25 لغة، وبيعت منها ملايين النسخ، ليظل واحدًا من أبرز الأسماء التي أعادت تشكيل مفهوم الرواية الحديثة، وجعلت منها مساحة للتأمل في القضايا الإنسانية والفكرية الكبرى.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء