رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من BBC إلى الشاشة.. «نداء 18 يونيو» بين التاريخ والدراما

إيجبتكِ

يُعد خطاب «نداء 18 يونيو 1940» الذي ألقاه الجنرال شارل ديغول من لندن عبر إذاعة BBC لحظة مفصلية في التاريخ الفرنسي الحديث، إذ مثّل الشرارة الأولى لتشكيل “فرنسا الحرة” وبداية تنظيم المقاومة ضد الاحتلال النازي. ورغم أن الحدث لم يُسجَّل بصريًا وقت وقوعه، فإن السينما والتلفزيون لاحقًا أعادا بناءه مرارًا، ليس فقط كخطاب سياسي، بل كدراما إنسانية مكثفة تدور في 24 ساعة فاصلة غيّرت مسار الحرب.

ويُنظر إلى هذا النداء باعتباره المحرك الأساسي لمعظم الأعمال التي تناولت شخصية ديغول، إذ لا يقدَّم القائد الفرنسي في هذه الأعمال كرمز سياسي فقط، بل كشخص يعيش لحظة انهيار دولة كاملة ويقف وحيدًا أمام قرار تاريخي عبر ميكروفون إذاعي.

«الساعات الحرجة».. لحظة ما قبل الخطاب في قلب الدراما

أحد أبرز الأعمال التي اقتربت من التفاصيل الدقيقة للخطاب هو الفيلم التلفزيوني الفرنسي «L’appel du 18 juin» (2010)، الذي يُعد الأكثر تخصصًا في رصد كواليس الحدث. يبدأ العمل من الخلفية العسكرية لديغول خلال المعارك، ثم انتقاله إلى العمل الحكومي، وصولًا إلى رحلته السرية إلى لندن، قبل أن يتوقف عند الساعات الحرجة التي سبقت الإذاعة.

يُظهر الفيلم الجدل السياسي بين ديغول والحكومة البريطانية، خاصة محاولاته لإقناع القيادة البريطانية وعلى رأسها ونستون تشرشل بالسماح له بإلقاء الخطاب عبر الراديو، قبل أن تنتهي اللحظة التاريخية من داخل استوديوهات BBC. وقد جسّد شخصية ديغول في هذا العمل الممثل ميشيل فيليرموز.

«ديغول».. الإنسان خلف الأسطورة

في عام 2020، قدّم السينما الفرنسية فيلم «De Gaulle» من إخراج غابرييل لو بومين وبطولة لامبرت ويلسون، والذي أعاد قراءة أحداث يونيو 1940 من زاوية مزدوجة: سياسية وإنسانية.

لا يركز الفيلم على الخطاب فقط، بل يوازي بين تحركات ديغول في لندن وهو يحاول تثبيت شرعية “فرنسا الحرة”، وبين مأساة عائلته، خاصة زوجته إيفون وأطفاله الذين يهربون وسط فوضى الغزو الألماني. وبهذا المزج، يتحول الخطاب من مجرد حدث سياسي إلى نقطة تقاطع بين انهيار الوطن وبداية مشروع مقاومة.

«إعادة تخيّل التاريخ».. أعمال حديثة وسرد ملحمي

من الأعمال التي أعادت تناول الحدث بروح ملحمية حديثة الفيلم الفرنسي «De Gaulle: Tilting Iron» (2026)، وهو عمل ضخم عُرض في مهرجان كان السينمائي، ومقتبس من سيرة المؤرخ جوليان جاكسون. يعتمد الفيلم على البناء الدرامي السياسي، حيث يعرض الصراع بين ديغول وتشرشل، ويعيد تمثيل لحظة الخطاب بوصفها نقطة تحول استراتيجية في الحرب العالمية الثانية.

كما يبرز المسلسل القصير «De Gaulle, l’éclat et le secret» (2020)، المكوَّن من ست حلقات، والذي يمنح مساحة واسعة لأحداث صيف 1940. وتُعرض في حلقاته الأولى لحظة جلوس ديغول أمام ميكروفون BBC ونطقه لعبارته الشهيرة التي أصبحت لاحقًا رمزًا للمقاومة: “فرنسا خسرت معركة، لكنها لم تخسر الحرب”.

الوثائقيات الدرامية.. بين الأرشيف وإعادة التمثيل

إلى جانب الدراما السينمائية، قدّمت الأعمال الوثائقية معالجة أكثر تحليلًا للحدث، أبرزها الفيلم الوثائقي الدرامي «De Gaulle 1940-1944, l’homme du destin» (2015)، الذي يمزج بين الأرشيف الحقيقي والمشاهد المُعاد تمثيلها.
يركز العمل على التحول الذي أحدثه الخطاب في صورة ديغول، من شخصية سياسية محدودة الحضور إلى “رجل القدر” الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز قادة الحلفاء إلى جانب تشرشل وروزفلت.

كما أنتجت وزارة الجيوش الفرنسية فيلمًا قصيرًا بعنوان «L’appel du 18 juin 1940, l’appel de la liberté» (2013)، ضمن سلسلة توثيقية تعيد بناء اللحظة بدقة تاريخية ورقمية، مع التركيز على تأثير الخطاب في الجنود والعمال الفرنسيين في بريطانيا آنذاك.

خطاب واحد.. وتأثير ممتد عبر الشاشة

رغم اختلاف الأساليب بين الفيلم الروائي والوثائقي والمسلسل، تتفق جميع هذه الأعمال على أن خطاب 18 يونيو ليس مجرد حدث إذاعي، بل لحظة تأسيسية أعادت تعريف معنى المقاومة في فرنسا.

فالسينما والتلفزيون لا يعيدان فقط سرد ما حدث، بل يحاولان إعادة تخيّل ما لم يُسجَّل: توتر الغرفة، ارتباك اللحظة، وصوت رجل يعلن بداية حرب من نوع آخر، حرب على اليأس قبل أن تكون على الاحتلال.

وبذلك ظل خطاب ديغول يعيش على الشاشة بوصفه أكثر من حدث تاريخي؛ إنه لحظة ميلاد سردية كاملة عن “فرنسا التي لم تستسلم”.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء