رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كأس العالم واللحظة الأخيرة.. القصة الكاملة لوفاة "الخواجة بيجو"

الخواجة بيجو
الخواجة بيجو

تحل ذكرى وفاة الفنان المصري فؤاد راتب، أحد أبرز رموز الكوميديا الإذاعية في مصر، وصاحب الشخصية الشهيرة “الخواجة بيجو” التي أصبحت علامة فارقة في تاريخ الفن المصري والعربي، حيث استطاع أن يرسم البسمة على وجوه الملايين عبر الإذاعة والسينما لسنوات طويلة.

وُلد فؤاد راتب، واسمه الحقيقي محمد فؤاد أمين راتب، في 1 مايو عام 1930 بمدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، وتلقى تعليمه في كلية التجارة، قبل أن يكمل دراسات عليا في التخطيط والإحصاء، جامعًا بين الخلفية العلمية والعمل الفني منذ سنواته الأولى.

ورغم اعتقاد الكثيرين بسبب إتقانه للهجات الأجنبية أنه غير مصري، فإن فؤاد راتب كان مصريًا مسلمًا أبًا عن جد، ونجح في تقديم شخصية “الخواجة بيجو” بإتقان شديد جعل الجمهور يتوهم هويته الأجنبية.

الانطلاقة الإذاعية وولادة “ساعة لقلبك”

بدأت موهبة فؤاد راتب في الظهور منذ الطفولة من خلال مشاركته في برنامج “بابا شارو”، قبل أن ينطلق بقوة عام 1952 عبر البرنامج الإذاعي الشهير “ساعة لقلبك”، الذي مثّل نقطة تحول في تاريخ الكوميديا الإذاعية في مصر.

هناك لمع اسمه من خلال شخصية “الخواجة بيجو”، وكون ثنائيًا أسطوريًا مع الفنان محمد أحمد المصري الشهير بـ“أبو لمعة”، وقدما معًا حالة كوميدية قائمة على النكات والمونولوجات والإفيهات التي لاقت نجاحًا واسعًا، واستمرت لأكثر من 20 عامًا، حتى أصبحت أعمالهما إرثًا كوميديًا ورثته الأجيال.

ثنائي لا يُنسى وصناعة البهجة الجماهيرية

استطاع ثنائي “أبو لمعة والخواجة بيجو” أن يصبح علامة فارقة في تاريخ الفن المصري، حيث أسهما في إسعاد الجمهور لعقود طويلة من خلال مونولوجات ونكات بسيطة لكنها ذكية، ورسمت ملامح مدرسة كوميدية خاصة بهما.

وظل الجمهور يعتقد أن “الخواجة بيجو” شخصية أجنبية، بسبب إتقان فؤاد راتب للهجة، رغم أنه كان فنانًا مصريًا خالصًا، ما أضفى على الشخصية بعدًا كوميديًا خاصًا.

من الإذاعة إلى السينما والعمل الإداري

امتدت مسيرة فؤاد راتب إلى السينما، حيث شارك في أفلام بارزة مثل “إسماعيل يس في مستشفى المجانين”، و“غرام المليونير”، و“ملك البترول”، و“عروسة المولد”، محافظًا على نفس الروح الكوميدية التي اشتهر بها.

وفي الوقت نفسه، شغل مناصب إدارية مهمة، وتدرج حتى أصبح مديرًا للعلاقات العامة باتحاد الصناعات المصرية، ما يعكس توازنه بين العمل الفني والحياة المهنية الصارمة.

محطة الكويت وبداية التحولات الكبرى

بدأت مرحلة التحول في حياة فؤاد راتب عام 1968 عندما سافر إلى الكويت للعمل في شركة الأسمدة الكويتية، حيث تولى تنظيم العلاقات العامة، ثم انضم لاحقًا إلى تلفزيون الكويت عام 1972 كمعد ومقرر للجان.

وخلال هذه الفترة، كان حاضرًا في معظم المؤتمرات والمهرجانات والبرامج، وأعد برامج ناجحة مثل المسابقات والمنوعات، وشارك في تنظيم فعاليات كبرى، ليصبح عنصرًا نشطًا يشبه “الدينامو” كما وصفته زوجته في أحد الحوارات الصحفية.

المرض والإصرار على الاستمرار

رغم انغماسه في العمل، أهمل فؤاد راتب صحته، ما أدى إلى إصابته بارتفاع ضغط الدم، ثم تعرضه في أكتوبر 1975 لشلل نصفي أثناء وجوده في الكويت، وهي لحظة شكلت نقطة تحول قاسية في حياته.

ورغم المرض، تمسك به تلفزيون الكويت وواصل العمل، بل شارك في المسلسل الشهير “درب الزلق” عام 1977، حيث ظهر في دور “فؤاد بن سعيد باشا” وهو يؤدي مشاهده جالسًا بسبب حالته الصحية، في تجربة إنسانية وفنية فريدة.

كما ظل يعمل في إعداد البرامج رغم مرضه، بدعم من زملائه، في وقت كان يعاني فيه من ضغط نفسي شديد وإحساس بالعزلة.

أزمة الهوية الفنية وحصار الشخصية الواحدة

رغم نجاحه الكبير، عانى فؤاد راتب من أزمة فنية حقيقية بسبب ارتباطه الكامل بشخصية “الخواجة بيجو”، حيث حُصر في هذا الدور ولم يتمكن من تقديم تنوع فني يبرز إمكانياته، ما جعله يعيش ما يُعرف بـ“أزمة النمطية الفنية”.

ورغم ذلك، ظل الجمهور متعلقًا بالشخصية التي صنعت شهرته، بينما كان هو يشعر أحيانًا بالضغط من هذا القالب الفني الثابت.

الحياة الشخصية والإنسانية خلف الأضواء

واجه فؤاد راتب مواقف إنسانية صعبة، من بينها رفض المأذون في البداية عقد قرانه بسبب اعتقاد خاطئ بأنه أجنبي، واضطر لإثبات هويته المصرية الرسمية لإتمام الزواج.

كما عاش قصة حب لم تكتمل مع فتاة يونانية، وهو ما ترك أثرًا عاطفيًا في حياته المبكرة، إلى جانب مواقف أخرى من التوتر الفني مثل انسحابه من عمل مسرحي رفض فيه نصًا اعتبره مسيئًا لسمعة مصر.

العودة إلى مصر والعزلة الصامتة

بعد عودته إلى مصر عام 1978، كان يأمل في العودة إلى العمل الفني، لكن الواقع كان مختلفًا، حيث ابتعد عنه الوسط الفني تدريجيًا، ما تسبب له في حالة من الاكتئاب والعزلة، رغم استمرار تواصل محدود مع بعض الفنانين مثل فؤاد المهندس ومحمد عوض.

الرحيل في صمت

في صباح 18 يونيو 1986، توفي فؤاد راتب إثر أزمة قلبية مفاجئة، بعد أن قضى صباحه بشكل طبيعي، متوجهًا إلى منزل حماته ومتابعًا إحدى مباريات كأس العالم، ليرحل في هدوء يليق بشخصية رسمت البهجة طوال حياتها.

إرث فني خالد

يبقى فؤاد راتب واحدًا من أبرز رموز الكوميديا الإذاعية في مصر، وصاحب بصمة لا تُنسى من خلال شخصية “الخواجة بيجو”، التي ما زالت حاضرة في ذاكرة الأجيال، إلى جانب ثنائه التاريخي مع “أبو لمعة”، الذي صنع واحدًا من أطول وأشهر الثنائيات الكوميدية في تاريخ الفن العربي.

وفي ذكرى وفاته، يستعيد الجمهور سيرة فنان جمع بين الضحك والالتزام والعمل الجاد، وترك إرثًا إنسانيًا وفنيًا لا يغيب.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء