في ذكرى تنصيبه واليًا على مصر.. كيف وصل محمد علي باشا إلى الحكم؟
في مطلع القرن التاسع عشر، كانت مصر تعيش حالة من الاضطراب السياسي نتيجة الصراع المستمر بين المماليك والولاة العثمانيين، إلى جانب تدهور الأوضاع الاقتصادية وتزايد معاناة السكان من الضرائب غير المنظمة والاضطرابات الأمنية، وفي هذا السياق المضطرب، برز محمد علي باشا كأحد القادة العسكريين الذين دخلوا مصر ضمن القوات العثمانية القادمة لمواجهة الحملة الفرنسية، قبل أن تتغير موازين القوى تدريجيًا لصالحه داخل المشهد السياسي المصري.
كسب ثقة العلماء والأعيان
اعتمد محمد علي في بداية صعوده على سياسة تقوم على كسب ود العلماء والأعيان وكبار التجار في القاهرة، إلى جانب إظهار قدر من الانضباط داخل قواته الألبانية مقارنة بغيره من الجنود النظاميين وغير النظاميين. هذا السلوك ساعده في بناء صورة مختلفة عن باقي القادة العسكريين، خاصة في ظل تزايد شكاوى الأهالي من تجاوزات القوات الأخرى، وهو ما جعله يقترب تدريجيًا من مراكز التأثير داخل المجتمع المصري.
تراجع السلطة المركزية وتنامي دور القوى المحلية
شهدت الفترة التي سبقت توليه الحكم مباشرة حالة من الضعف في سلطة الولاة العثمانيين، حيث عانى الوالي أحمد خورشيد باشا من صعوبات في إدارة البلاد، أبرزها عدم القدرة على ضبط الأمن أو دفع رواتب الجنود، ما أدى إلى حالة من الفوضى داخل القاهرة وعدد من الأقاليم. وفي المقابل، استغل محمد علي هذا الفراغ الإداري ليعزز حضوره العسكري والسياسي، مقدّمًا نفسه كقوة قادرة على فرض الاستقرار.
المواجهة مع المماليك والدلاة
تزامن هذا الوضع مع تصاعد المواجهات بين القوى العسكرية المختلفة، وعلى رأسها المماليك الذين حاولوا استعادة نفوذهم، إلى جانب وصول قوات الدلاة التي اتسمت بالقوة المفرطة في التعامل مع السكان. وفي خضم هذه الأحداث، لعب محمد علي دورًا محوريًا في المناورة بين هذه الأطراف، مستفيدًا من تحالفات مؤقتة وقدرته على كسب ولاءات بعض الفصائل العسكرية، ما منحه موقعًا أكثر تأثيرًا في إدارة الصراع داخل القاهرة.
تدخل العلماء والأعيان في حسم المشهد السياسي
مع تفاقم الأوضاع الأمنية وتزايد الفوضى، اتجهت أنظار العلماء والأعيان في مصر إلى محمد علي باعتباره الخيار الأكثر استقرارًا مقارنة بالولاة السابقين. وقد لعبت القيادات الدينية والاجتماعية في القاهرة دورًا مهمًا في دعم انتقال السلطة إليه، حيث تم الاتفاق على مبايعته واليًا على مصر بعد سلسلة من المشاورات والمواقف الشعبية التي طالبت بوجود قيادة قادرة على فرض النظام.
البيعة وتنصيب محمد علي واليًا على مصر
في عام 1805م، وبعد تصاعد الضغوط الشعبية والعسكرية، جرت مبايعة محمد علي واليًا على مصر في حدث تاريخي شارك فيه عدد من كبار العلماء والأعيان، وتم تثبيت سلطته رسميًا بعد رفع الأمر إلى الباب العالي الذي وافق لاحقًا على تعيينه، وبذلك بدأت مرحلة جديدة في تاريخ مصر السياسي، تميزت بتأسيس حكم مركزي قوي أعاد تشكيل بنية الدولة خلال العقود التالية.