ليلى شعير.. وجه أرستقراطي بين الشاشة والغربة والسينما
تحل ذكرى ميلاد الفنانة المصرية ليلى شعير، المولودة في 18 يونيو عام 1940، لأب مصري وأم فرنسية، في أسرة فنية وثقافية كان لها تأثير كبير على تكوينها. فقد كان والدها فنانًا تشكيليًا درس الفنون الجميلة في باريس، حيث التقى بوالدتها التي كانت مغنية أوبرا فرنسية، وانتقلت معه إلى القاهرة بدافع عشقها لمصر، لتعيش الأسرة بين الفن والثقافة الأوروبية والهوية المصرية.
تلقت ليلى تعليمها في مدرسة الليسيه الفرنسية بالقاهرة، ما منحها لغة وثقافة فرنسية متقنة منذ الصغر، كما كانت تمارس الباليه مع مدربين روس في مصر، واهتمت بالرياضة واليوجا منذ بداياتها، وهو ما انعكس لاحقًا على حضورها الهادئ وأسلوبها المختلف في السينما وعروض الأزياء.
من عالم الأزياء إلى أول ظهور سينمائي
دخلت ليلى شعير عالم الفن من بوابة غير تقليدية، حيث بدأت العمل في عروض الأزياء بعد أن عرضت عليها إحدى صديقات والدتها المشاركة في عرض لتحسين الصحة، قبل أن تتحول التجربة إلى مسار مهني كامل، وتعمل مع بيوت الأزياء والمحلات الشهيرة في مصر.
وبعد نجاحها في هذا المجال، جاءت الفرصة السينمائية الأولى عبر فيلم “عائلة زيزي” بعد ترشيحها من المنتجين، لتبدأ رحلتها في السينما المصرية، رغم معارضة والدها في البداية لدخولها الوسط الفني أو العمل في الأزياء، قبل أن يقتنع بموهبتها لاحقًا.
بدايات فنية وعلاقة خاصة بالسينما
لفتت ليلى شعير الأنظار منذ ظهورها الأول، لتشارك في أعمال مثل “عائلة زيزي” و“العريس يصل غدًا”، حيث كانت تميل إلى تقديم شخصيات راقية وهادئة تعكس ملامحها الأوروبية وثقافتها المختلفة.
ومع الوقت، توالت عليها الفرص السينمائية، خاصة في أعمال جمعتها بكبار المخرجين والنجوم، لكنها لم تستمر بشكل متواصل، إذ تميزت مسيرتها بالتنقل بين العمل الفني والسفر والابتعاد لفترات طويلة.
زواج وهجرة وابتعاد طويل عن الفن
تزوجت ليلى شعير من الفنان عمرو الترجمان، الذي تعرفت عليه في نادي الجزيرة، وهو أحد الوجوه التي دخلت الفن لفترة قصيرة قبل أن يتجه إلى أعمال أخرى خارج المجال. وتزامن زواجهما مع أزمة سياسية تعرض لها، أدت إلى اعتقاله لفترة قصيرة، قبل أن يقرر الهجرة إلى فرنسا بعد تلك التجربة.
سافرت ليلى معه إلى باريس، حيث عاشت هناك لسنوات طويلة، وابتعدت عن السينما المصرية، بينما عادت إلى عالم الأزياء مجددًا، واستمرت في العمل مع والدتها التي كانت تقيم في فرنسا، قبل أن تعود لاحقًا إلى مصر بعد الانفصال واستقرار حياتها.
العودة إلى السينما وتجارب مع كبار المخرجين
بعد فترة طويلة من الغياب، عادت ليلى شعير إلى مصر عبر فيلم “السمان والخريف” بعد تلغرام من المخرج حسام الدين مصطفى، كما التقت بالمخرج يوسف شاهين وزوجته، وشاركت لاحقًا في فيلم “حدوتة مصرية”، لكنها فوجئت بحذف معظم مشاهدها في النسخة النهائية من الفيلم، ما سبب لها صدمة فنية كبيرة.
كما شاركت في فيلم “الهروب” مع أحمد زكي والمخرج عاطف الطيب، حيث تعرضت لإجهاد شديد نتيجة تكرار أحد المشاهد العنيفة أكثر من 20 مرة، ما أدى إلى إغمائها ونقلها إلى المستشفى، في تجربة صعبة داخل التصوير.
وفي مرحلة لاحقة، عادت للمشاركة في فيلم “ما تيجي نرقص” بعد إقناع من المخرجة إيناس الدغيدي، رغم ظروفها العائلية الصعبة ومرض والدتها في تلك الفترة، وهو ما جعلها تقدم اعتذارًا عن عدد من الأدوار المهمة.
أعمال درامية وتجربة تلفزيونية محدودة
إلى جانب السينما، قدمت ليلى شعير عملين تلفزيونيين بارزين هما مسلسل “وجه القمر” مع فاتن حمامة، و“العمة نور” مع نبيلة عبيد، لكنها لم تواصل نشاطها التلفزيوني بشكل مكثف، مفضلة الانتقاء الشديد للأدوار.
أزمات مهنية وصراعات داخل الوسط الفني
واجهت ليلى شعير تحديات كبيرة في مسيرتها، سواء في صراعها مع القيود الإنتاجية أو في البحث عن أدوار تناسب موهبتها، كما تعرضت لمقارنات فنية مع أسماء كبيرة، إضافة إلى صعوبات في الحصول على مساحة بطولة حقيقية، ما دفعها لفترات من الابتعاد والاختيار الصارم لأعمالها.
كما نفت في أكثر من لقاء ما تردد حول حصولها على لقب ملكة جمال مصر، مؤكدة أنها لم تشارك في تلك المسابقات من الأساس.
حياة شخصية بين الحب والفقد
على الصعيد الإنساني، عاشت ليلى شعير تجربتين زواج، الأولى مع عمرو الترجمان الذي انتهى بهجرته إلى فرنسا، والثانية مع زوجها رؤوف أبو إصبع الذي وصفته بأنه كان السند الحقيقي في حياتها، وساندها دون شروط فنية، لكن وفاته لاحقًا تركت أثرًا نفسيًا عميقًا لديها، ودفعها للابتعاد عن الأضواء تدريجيًا.
كما تأثرت بشدة بوالدتها الفرنسية التي لعبت دورًا مهمًا في تكوين شخصيتها، حيث علمتها الانضباط والأناقة والثقافة، وكانت سببًا رئيسيًا في دخولها عالم عروض الأزياء والعمل في فرنسا لسنوات طويلة.
إرث فني هادئ ومسيرة مختلفة
رغم أن مسيرة ليلى شعير لم تكن طويلة أو ممتدة بكثافة إنتاجية، فإنها بقيت واحدة من الوجوه التي تركت بصمة مختلفة في السينما المصرية، بسبب حضورها الأنيق واختياراتها الدقيقة وأدوارها الهادئة.
وفي ذكرى ميلادها، يستعيد الجمهور سيرة فنانة اختارت طريقًا غير تقليدي، بين الفن والهجرة والحياة الشخصية المعقدة، لكنها بقيت حاضرة في ذاكرة السينما كواحدة من أكثر الوجوه تميزًا في زمن الفن الجميل.