مائدة مستديرة بالأعلى للثقافة تناقش توظيف مواد الثقافة الشعبية
نظم المجلس الأعلى للثقافة، برعاية الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة، وبإشراف الدكتور أشرف العزازي الأمين العام للمجلس، مائدة مستديرة بعنوان «الخطوات العملية لتوظيف مواد الثقافة الشعبية في تنشئة الطفل ودور الإعلام»، وذلك بالتعاون بين لجنة الفنون الشعبية والتراث الثقافي غير المادي، ولجنة ثقافة الطفل، ولجنة الإعلام، بمقر المجلس الأعلى للثقافة.
أهمية الثقافة الشعبية في بناء وعي الطفل
أدار المائدة الدكتور مرسي الصباغ، الأستاذ المتفرغ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة قناة السويس، مؤكدًا أن العصر الحالي يشهد هيمنة كبيرة للماديات، الأمر الذي يفرض ضرورة البحث عن آليات فكرية وثقافية قادرة على توجيه الأجيال الجديدة نحو المستقبل مع الحفاظ على جذورها الحضارية
وأوضح أن ثقافة الطفل تستند إلى استلهام عناصر الماضي والتراث بما يعزز الثقة بالنفس والانتماء، مشيرًا إلى أن الشعوب التي تفقد اعتزازها بذاتها وهويتها تصبح أكثر عرضة للاضطراب الثقافي.
الأسرة والمدرسة والإعلام شركاء في التنشئة
من جانبه، أكد الدكتور أحمد يونس، أستاذ المعهد العالي للفنون الشعبية بأكاديمية الفنون وعضو لجنة الفنون الشعبية والتراث غير المادي، أن الأسرة والمدرسة تظلان الركيزتين الأساسيتين في تنشئة الطفل، إلا أن المؤسسات الثقافية والإعلامية أصبحت اليوم شريكًا رئيسيًا في تشكيل وعي الأجيال الجديدة.
وأشار إلى أهمية تضافر جهود مختلف المؤسسات لإعادة تقديم عناصر الثقافة المصرية والألعاب الشعبية بصورة معاصرة وجاذبة للأطفال.
وأوضح أن بعض الألعاب الشعبية المصرية تمتد جذورها إلى آلاف السنين، ومن بينها لعبة التحطيب، وهو ما يعكس ثراء التراث المصري وقدرته على جذب الأطفال وإبعادهم عن العزلة المرتبطة بالاستخدام المفرط للهواتف المحمولة، كما شدد على ضرورة إعادة تقديم السير الشعبية للأطفال باعتبارها من أهم مصادر القيم والمعارف المتوارثة.
الجينات الثقافية محرك رئيسي لشخصية الطفل
وتحدث الدكتور أشرف جلال، عميد كلية الإعلام وتكنولوجيا الاتصال بجامعة قناة السويس وعضو لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى للثقافة، عن مفهوم «الجينات الثقافية» بوصفها أحد المحركات الأساسية لسلوك الطفل وتشكيل وعيه.
وأوضح أن توظيف الثقافة الشعبية يمكن أن يتم عبر أدوات إعلامية متنوعة، مثل القصص المصورة والألعاب الرقمية والتطبيقات التراثية، بالإضافة إلى المجلات والملاحق التفاعلية.
وأضاف أن الوسائط الصوتية الحديثة، وعلى رأسها البودكاست وحكايات ما قبل النوم، تمثل أدوات فعالة في نقل عناصر التراث للأجيال الجديدة، مؤكدًا أن الثقافة الشعبية تعد من أكثر الوسائل تأثيرًا في مرحلة الطفولة، وأن العديد من الدراسات الحديثة استلهمت أفكارها من التراث الشعبي الإنساني.
الحكايات الشعبية والأغاني مصدر للقيم الإنسانية
بدورها، أكدت الدكتورة أمل الطيب، الخبيرة والاستشارية الموسيقية وعضو لجنة الفنون الشعبية، أهمية مراعاة طبيعة البيئة المحلية عند تنفيذ المشروعات الثقافية الخاصة بالأطفال، مع الاستعانة بالمختصين القادرين على تحقيق الأهداف المرجوة.
وأوضحت أن الحكايات الشعبية وأغاني الأطفال تشكل أحد أهم مكونات الثقافة الشعبية، حيث تحمل في مضمونها قيمًا فكرية وأخلاقية وعقائدية ساهمت عبر الأجيال في ترسيخ مفاهيم الشهامة والشجاعة والكرم والانتماء.
أطلس التراث الشعبي ومشروعات الحفاظ على الهوية
وأشارت الدكتورة حنان موسى إلى أن التراث الشعبي المصري يزخر بعناصر إيجابية وقيم إنسانية راقية، مؤكدة أن مشروع أطلس التراث الشعبي المصري يعد من أبرز المشروعات التي تسعى إلى توثيق هذا التراث وتقديمه للأجيال الجديدة بوسائل متنوعة.
وأضافت أن وزارة الثقافة تنفذ عددًا من المشروعات المهمة في هذا المجال، من بينها مشروع «أهل مصر» الموجه لأبناء المحافظات الحدودية، ومبادرة «حياة كريمة» التي تسهم في تمكين المرأة والحفاظ على التراث، بما يدعم بناء شخصية الطفل المصري على أسس ثقافية ووطنية راسخة.
المتاحف وسيلة تفاعلية لنقل التراث
وأكدت الباحثة دينا رمضان، مسؤولة الاستدامة والتحول الأخضر بقطاع المتاحف وعضو لجنة ثقافة الطفل، أن المتاحف أصبحت تلعب دورًا محوريًا في التعريف بالثقافة الشعبية المصرية، من خلال تحويل زيارة المتحف إلى تجربة تفاعلية متكاملة تعتمد على المشاهدة واللمس والقراءة والمشاركة في الأنشطة المختلفة.
وأوضحت أن المتاحف تنظم العديد من الورش التعليمية والتفاعلية التي تساهم في تبسيط التراث للأطفال، كما تسهم الألغاز الشعبية والألعاب التراثية في تنمية القدرات الذهنية وتعزيز السلوك الإيجابي لدى النشء.
التكنولوجيا وسيلة للحفاظ على الهوية
من جانبها، أكدت الدكتورة سوزان القليني، نائب رئيس مجلس أمناء جامعة عين شمس الأهلية وعضو المجلس القومي للمرأة، أن الاهتمام بالتراث يمثل جزءًا أساسيًا من بناء الهوية الوطنية وتعزيز الانتماء الثقافي.
وأشارت إلى أهمية استخدام التكنولوجيا والمنصات الرقمية كوسيلة لنقل التراث للأجيال الجديدة بدلاً من أن تكون أداة لطمس الهوية أو استبدالها بثقافات أخرى.
وشددت على ضرورة إعداد جيل جديد من المؤثرين القادرين على تقديم المحتوى الثقافي والتراثي بصورة مهنية وجاذبة، مع دعم توطين صناعة التكنولوجيا بما يخدم الحفاظ على الثقافة الوطنية.
الأغنية الشعبية ذاكرة المجتمع
وتناول الدكتور كرم ملك، عميد كلية التربية الموسيقية السابق وعضو المجلس القومي للطفولة والأمومة، دور الأغنية الشعبية في حفظ ذاكرة المجتمع، موضحًا أنها تمثل سجلًا حيًا لتاريخ الأمة وتجاربها الإنسانية المختلفة.
وأشار إلى أن العلاقة بين الجمهور والموسيقى الشعبية شهدت تغيرات كبيرة مع ظهور المنصات الرقمية، ما يستدعي وضع خطط إعلامية وثقافية طويلة المدى تهدف إلى تعريف الأطفال بهذا التراث الموسيقي والحفاظ عليه.
إعادة تقديم السير الشعبية للأجيال الجديدة
وأكد الدكتور محمد حسن عبد الحافظ، رئيس قسم الأدب الشعبي بالمعهد العالي للفنون الشعبية، أن استهداف الأطفال ثقافيًا أصبح أحد أهم التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة، مشددًا على أهمية إعداد قيادات ثقافية صغيرة من الأطفال أنفسهم لنشر الوعي بين أقرانهم.
وفي السياق نفسه، أوضح الباحث لطفي أن السير الشعبية المصرية تمثل كنزًا ثقافيًا غنيًا بالقيم الإنسانية والبطولات والخيال، ويمكن إعادة تقديمها للأطفال من خلال القصص المصورة والمسرحيات وألعاب التفاعل الحديثة.
وأشار إلى أهمية تقديم نماذج مثل السيرة الهلالية والأميرة ذات الهمة وسيرة سيف بن ذي يزن والظاهر بيبرس بصورة مبسطة تناسب الفئات العمرية المختلفة.
توصيات لتعزيز حضور التراث في حياة الأطفال
وشهدت المائدة مشاركة عدد من المتخصصين والمهتمين بمجالات التراث وثقافة الطفل والإعلام، من بينهم محمود التميمي، والدكتورة نهى عباس رئيس تحرير مجلة «نور» للأطفال، والكاتبة الصحفية هبة محمد علي.
وفي ختام أعمالها، أوصت المائدة المستديرة بضرورة التوسع في إدماج عناصر الثقافة الشعبية داخل المناهج والأنشطة الموجهة للأطفال بدءًا من مرحلة رياض الأطفال، والعمل على إنشاء مصانع متخصصة لإنتاج ألعاب مستوحاة من التراث المصري، إلى جانب دعم المحتوى الإعلامي والثقافي الذي يسهم في تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ القيم الإيجابية لدى الأجيال الجديدة.