التليجراف: خامنئي أكثر عرضة للخطر من أي وقت مضى |تقرير
كشفت صحيفة "التليجراف" البريطانية، في تقرير لها ملامح مرحلة دقيقة يواجهها المرشد الأعلى في إيران مجتبى خامنئي، حيث لا تبدو معركته الحقيقية في النجاة من تداعيات الحرب، بل في تثبيت أركان سلطته داخل نظام تتشابك فيه مراكز القوة وتتنافس فيه الولاءات.
فبين صعود نفوذ الحرس الثوري، واحتدام الصراعات داخل النخبة الحاكمة، يجد الرجل نفسه أمام اختبار غير مسبوق: هل يستطيع تحويل الإرث الذي ورثه إلى سلطة فعلية، أم أن شبكة التوازنات المعقدة داخل الجمهورية الإسلامية ستفرض عليه حدوداً قاسية منذ اللحظة الأولى؟
حيث يواجه المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية مجتبى خامنئي، تحدياً معقداً في الحفاظ على تماسك سلطته، وسط بيئة داخلية مشبعة بالتنافس الحاد، والتشابكات السياسية والأمنية، حيث تتقاطع مراكز النفوذ مع حسابات القوة بطريقة تجعل موقعه أكثر هشاشة مما يبدو ظاهرياً.
السلطة الفعلية

وبالنسبة إلى مجتبى خامنئي، فإن تجاوز مرحلة الحرب الإيرانية قد لا يكون سوى البداية؛ إذ إن التحدي الحقيقي يتمثل في قدرته على تحويل الإرث الذي يحمله كلقب “المرشد الأعلى” إلى سلطة فعلية قادرة على إدارة الجمهورية الإسلامية، فالمعركة الأصعب، وفق تقديرات مطلعين، بدأت فعلياً بعد انتهاء المواجهة العسكرية.
وفي هذا السياق، لم يكن الحرس الثوري الإيراني في أي وقت مضى بهذه الدرجة من القوة والتأثير، إذ يشعر قادته بأنهم لعبوا الدور الحاسم في منع انهيار الدولة أو تغيير النظام خلال الحرب، وهو ما عزز ثقتهم بأنفسهم ومنحهم هامشاً أوسع في اتخاذ القرار.
ونقلت صحيفة "التليجراف" عن مصادر مطلعة أن هذه القيادات العسكرية تحديداً قد تمثل التحدي الأكبر أمام مجتبى خامنئي، في حال لم يتمكن من الحفاظ على ولائها أو احتوائها ضمن دائرة نفوذه.
ترسيخ سلطته
وفي مواجهة هذا الواقع، يسعى الزعيم الجديد إلى ترسيخ سلطته بشكل تدريجي وهادئ، من خلال إعادة تشكيل مراكز القرار داخل النظام، عبر استبدال شخصيات بارزة في مكتب والده بحلفاء مقربين منه، في محاولة لإعادة هندسة توازنات القوة لصالحه.
ومع اقتراب توقيع اتفاق السلام ووقف إطلاق النار، أجرت صحيفة "التلغراف" مقابلات مع مسؤولين إيرانيين حاليين وسابقين، إضافة إلى محللين داخل إيران وخارجها، فضلاً عن مواطنين عاديين، لرصد ملامح المرحلة الجديدة التي دخلتها البلاد بعد الحرب.
وتشير هذه التقديرات إلى أن مجتبى خامنئي أصبح في موقع أكثر هشاشة، حيث يواجه سلسلة من التحديات المتداخلة، من بينها مخاطر اقتصادية وشيكة توصف بـ"تسونامي اقتصادي"، إلى جانب تصاعد نفوذ الحرس الثوري الذي بات يتخذ قرارات استراتيجية دون الرجوع إلى الحكومة المدنية المنتخبة، فضلاً عن احتدام التنافس على مشاريع إعادة الإعمار التي تقدر بمليارات الدولارات.
البيئة الأمنية
وفي هذا الإطار، قال علي واعظ، مدير ملف إيران في مجموعة الأزمات الدولية، إن البيئة الأمنية التي ورثها المرشد الجديد "غير مسبوقة" مقارنة بما واجهه أسلافه، مشيراً إلى أن النظام خضع لعملية "عسكرة وتأمين مكثفة" على أعلى المستويات، وهو ما سيترك آثاراً طويلة الأمد.
وأضاف أن الحرس الثوري بات أكثر قوة وتأثيراً مما كان عليه قبل الحرب، حين كان خاضعاً بدرجة أكبر لسلطة المرشد الأعلى، ما يعكس تحوّلاً بنيوياً في طبيعة السلطة داخل النظام الإيراني.
ورغم أن الدستور يمنح المرشد الأعلى صلاحيات مطلقة بصفته القائد العام للقوات المسلحة وصاحب القرار النهائي، إلا أن هذه السلطة النظرية تظل مرهونة بمدى امتثال القوى المسلحة لها، وهو أمر لا يزال محل تساؤل في المرحلة الحالية.
القادة العسكريين
وقال أحد المسؤولين الإيرانيين إن ملامح التغيير في ديناميكيات السلطة باتت واضحة، موضحاً أنه في السابق كانت القرارات تمر عبر نقاشات معقدة بين مراكز متعددة، أما الآن فقد تقلصت تلك النقاشات، وأصبح لرأي القادة العسكريين وزن حاسم، بحيث يتحول إلى قرار نافذ بمجرد صدوره.
وفي ظل غياب اختبار فعلي لأسلوب حكمه، لا يزال تقييم قدرة مجتبى خامنئي على إدارة السلطة أمراً مفتوحاً، حيث وصفه أحد المسؤولين بأنه "بطيخة لم تُفتح بعد"، في إشارة إلى غموض شخصيته السياسية وعدم وضوح قدراته الحقيقية حتى الآن.
غير أن الحكم في إيران لا يقوم على شخص واحد فقط، بل على شبكة معقدة من المؤسسات والولاءات. ولتحقيق سيطرة فعلية، يتعين على المرشد الجديد تفكيك البنية التي أسسها والده، عبر تقليص نفوذ الجنرالات، وإقصاء المنافسين، وتعزيز حضور الموالين له داخل مفاصل الدولة، وهي خطوات تشير تقارير إلى أنه بدأ بالفعل في تنفيذها.
ويُتوقع أن يلعب حسين طائب، الرئيس السابق لجهاز استخبارات الحرس الثوري، دوراً محورياً في هذا المسار، نظراً لعلاقته الوثيقة بخامنئي الابن ودوره السابق في بناء شبكات النفوذ الأمنية خلال عهد والده.
بيت المرشد الإيراني

من جانبه، قال محسن سازغارا، أحد مؤسسي الحرس الثوري الذي انشق لاحقاً عن النظام، إن المشكلة لا تكمن في توريث المنصب بحد ذاته، بل في السيطرة على "النظام" الذي يقوم عليه، مشيراً إلى أن البنية التي تدير السلطة أكثر تعقيداً من مجرد انتقال منصب.
ويُعد "بيت المرشد" مركز الثقل الحقيقي في النظام، حيث يضم آلاف الموظفين ويدير شبكة واسعة من الأجهزة، إلى جانب منظومة استخباراتية متعددة تشمل وزارة الاستخبارات وجهاز استخبارات الحرس الثوري وأجهزة موازية أخرى.
ويؤكد مراقبون أن السيطرة على هذه المنظومة تعني عملياً التحكم في "الجهاز العصبي" للدولة، وهو ما يتطلب من مجتبى خامنئي بناء تحالفات جديدة وإعادة توزيع مراكز النفوذ داخلها.
ويستحضر هذا المشهد تجربة علي خامنئي بعد عام 1989، حين عمل تدريجياً على تهميش خصومه وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة، بما في ذلك الحرس الثوري ووسائل الإعلام الرسمية، لتتماشى مع رؤيته للحكم.
عمليات تطهير للخصوم
ويتوقع سازغارا أن يسير الابن على النهج ذاته، بدءاً بالمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، محذراً من احتمال حدوث عمليات تطهير أو حتى اعتقالات، نظراً لطبيعة الصراع داخل هذه الدوائر.
ومن بين الخطوات المحتملة، السعي لإقصاء شخصيات بارزة مثل رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجي، رغم امتلاكه شبكة علاقات قوية، وهو ما قد يجعل هذه الخطوة محفوفة بالمخاطر.
كما أن شخصيات محسوبة على النظام، مثل أحمد وحيدي، قد لا تكون بمنأى عن إعادة الترتيب، حتى وإن كانت قريبة من القيادة الجديدة، في ظل سعيها لإحكام السيطرة الكاملة.
وتشير تقارير إلى أن شخصيات بارزة داخل الحرس الثوري، مثل عزيز جعفري، بدأت بالفعل تشعر بالتهميش، حيث انسحب إلى مدينة قم، في خطوة تعكس حالة التململ داخل بعض دوائر النفوذ.
غير أن التحدي الأكبر يكمن في طبيعة هذه الشبكات، إذ إن كل مسؤول يتم إقصاؤه لا يمثل فرداً فقط، بل منظومة من العلاقات والولاءات الممتدة عبر الأجهزة الأمنية والاقتصاد والمؤسسة الدينية.
انسحاب المسؤولين لـ "قم"
وبالتالي، فإن إبعاد هذه الشخصيات لا يعني إنهاء نفوذها، بل قد يؤدي إلى إعادة تموضعها وتحولها إلى مراكز معارضة داخلية تمتلك معرفة عميقة ببنية النظام، ما يزيد من تعقيد المشهد.
وتُظهر تجربة انسحاب بعض المسؤولين إلى قم أن المؤسسة الدينية تظل ملاذاً بديلاً لمراكز القوة، ومجالاً لإعادة تنظيم النفوذ بعيداً عن قبضة السلطة المركزية.
ويأتي كل ذلك في وقت يبدأ فيه مجتبى خامنئي من موقع أضعف مقارنة بوالده، الذي امتلك شرعية ثورية ودعماً من مؤسس النظام، إضافة إلى سنوات من الخبرة السياسية.
أما الابن، فيخوض معركته في بيئة أكثر تعقيداً، حيث أصبح خصومه أكثر قوة بفعل الحرب، بينما لا يمتلك الوقت الكافي لبناء شبكات الولاء التي يتمتع بها منافسوه.
وتبرز في هذا السياق شخصية محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، كأحد أبرز مراكز القوة التي قد تشكل تحدياً مستقبلياً، نظراً لارتباطه بالحرس الثوري وامتلاكه شبكة نفوذ سياسية واقتصادية واسعة.
تصعيد داخلي
ويحذر مراقبون من أن أي محاولة لمواجهته قد تؤدي إلى تصعيد داخلي، خاصة إذا لم يتم احتواؤه ضمن الترتيبات الجديدة للسلطة.
وفي المحصلة، تبدو الفوضى جزءاً متجذراً في بنية النظام الإيراني، حيث تشير تجارب سابقة إلى أن الصراعات الداخلية غالباً ما تتصاعد مع اقتراب مراكز السلطة من بعضها البعض.
ويرى محللون أن السلطة حالياً موزعة بين تحالف من المحافظين البراغماتيين والإصلاحيين المعتدلين، في ظل تنامي نفوذ الحرس الثوري، ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة، تتراوح بين إعادة التوازن أو الدخول في صراع داخلي أكثر حدة.