رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من ليبنتز إلى نابليون.. كيف بدأت فكرة احتلال مصر قبل الحملة الفرنسية؟

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

ترتبط الحملة الفرنسية على مصر في أذهان الكثيرين باسم نابليون بونابرت باعتباره صاحب فكرة غزو مصر وقيادة الحملة التي وصلت إلى البلاد عام 1798، إلا أن الوثائق والدراسات التاريخية تكشف أن فكرة احتلال مصر تعود إلى ما قبل ذلك بعقود طويلة، وأنها ظلت حاضرة داخل دوائر التفكير السياسي والاستراتيجي الفرنسي لسنوات عديدة قبل أن تتحول إلى مشروع عسكري فعلي.

ففي مثل هذا اليوم، الموافق 17 يونيو عام 1795، اقترح القنصل الفرنسي في القاهرة على حكومته ضرورة احتلال مصر للحفاظ على المصالح الفرنسية في المنطقة، وهي الفكرة التي تطورت لاحقًا حتى تحولت إلى مشروع الحملة الفرنسية التي انطلقت بعد ذلك بعدة سنوات.

تقرير القنصل الفرنسي

قدم شارل مجالون، القنصل الفرنسي في مصر، تقريرًا إلى حكومته في التاسع من فبراير عام 1798 دعا فيه بشكل واضح إلى احتلال مصر، مستعرضًا أهمية موقعها الاقتصادي والتجاري والاستراتيجي بالنسبة لفرنسا، ومؤكدًا أن السيطرة على مصر سوف تمنح فرنسا مكاسب كبيرة على المستويين التجاري والسياسي.

ولم يقتصر التقرير على طرح فكرة الاحتلال فقط، بل تناول أيضًا الظروف التي رأى أنها أصبحت مناسبة لتنفيذ المشروع، كما عرض تصورات عملية لتنفيذ الغزو من خلال إعداد القوات اللازمة وتجهيز السفن ووضع الخطط العسكرية المناسبة، كذلك شدد القنصل الفرنسي على ضرورة التعامل بحذر مع المجتمع المصري واحترام عاداته وتقاليده وشعائره الدينية، إلى جانب ضرورة التقرب من العلماء والشيوخ وأصحاب النفوذ الاجتماعي لكسب ثقة المصريين واستمالتهم.

مشروع قديم

ورغم أهمية تقرير القنصل الفرنسي، فإن فكرة احتلال مصر لم تكن جديدة آنذاك، إذ تشير المصادر التاريخية إلى أن دوائر الحكم الفرنسية كانت تناقش هذه المسألة منذ سنوات طويلة، فقد أصبحت مصر محل اهتمام متزايد بسبب موقعها الاستراتيجي المهم الذي يربط بين الشرق والغرب، فضلًا عن دورها الحيوي في طرق التجارة العالمية.

وكان البارون دو توت قد أُرسل في مهمة سرية إلى بلاد الشام عام 1777 لدراسة إمكانية تنفيذ المشروع وفحص جدواه، وجاء تقريره إيجابيًا، لكنه لم يؤدِ في ذلك الوقت إلى اتخاذ خطوات تنفيذية مباشرة.

وفيما بعد، أصبحت مصر محورًا للنقاش بين شخصيات سياسية فرنسية بارزة مثل شارل تاليران ونابليون بونابرت، إلى أن تقدم نابليون رسميًا بمشروع الحملة إلى حكومة المديرين الفرنسية بهدف حماية المصالح الفرنسية وتقليص النفوذ البريطاني وإضعاف قدرة بريطانيا على الوصول إلى الهند.

أول من طرح الفكرة

وبحسب ما أورده كتاب «نابليون بونابرت في مصر» للمؤلف أحمد حافظ رجب، فإن الفيلسوف الألماني ليبنتز كان أول من طرح فكرة احتلال مصر بشكل منظم، عندما كتب إلى الملك الفرنسي لويس الرابع عشر عام 1672 مقترحًا أن أفضل وسيلة للقضاء على النفوذ الهولندي آنذاك تتمثل في ضرب مصالحه التجارية في مصر.

وأشار ليبنتز في رسالته إلى أن السيطرة على مصر تعني السيطرة على طريق الهند، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تحويل التجارة العالمية إلى المسار المصري وإضعاف القوة الاقتصادية للهولنديين.

المنافسة الدولية

ومع تصاعد النفوذ الروسي خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر واتساع نفوذها على حساب الدولة العثمانية، بدأت فرنسا تنظر إلى مصر باعتبارها منطقة استراتيجية يمكن أن تمنحها أفضلية سياسية واقتصادية كبيرة.

وفي هذا السياق، رأت حكومة لويس السادس عشر أن احتلال مصر قد يكون وسيلة فعالة لحماية مصالحها التجارية في البحر المتوسط والبحر الأحمر، كما يمكن أن يتيح لها فرصة منافسة بريطانيا في الهند.

وفي إحدى جلسات مجلس الوزراء الفرنسي آنذاك، أكد وزير البحرية أن السيطرة على مصر تمثل الوسيلة الأهم لحماية التجارة الفرنسية، وأن التمركز في مصر سيجعل فرنسا قادرة على فرض نفوذها في البحر الأحمر ومهاجمة المصالح البريطانية في الهند أو منافستها اقتصاديًا.

مهام سرية

وبناءً على هذه التصورات، أرسلت الحكومة الفرنسية عام 1777 البارون دو توت إلى مصر تحت غطاء إجراء أبحاث علمية وفلكية لصالح أكاديمية العلوم، بينما كانت مهمته الحقيقية تتعلق بإعداد خرائط دقيقة لشواطئ مصر وسوريا وبعض جزر البحر المتوسط.

كما كلف بدراسة المناطق الساحلية الواقعة بين الإسكندرية وأبي قير، وتحديد أفضل المواقع التي يمكن استخدامها لإنزال القوات العسكرية، إضافة إلى دراسة أعماق المياه والموانئ المناسبة لتحرك السفن الحربية.

واستمرت هذه الدراسات والمقترحات لسنوات عديدة قبل أن تتبلور بصورة نهائية في المشروع الذي نفذه نابليون بونابرت عام 1798، لتتحول فكرة ظلت مطروحة لعقود إلى واحدة من أبرز المحطات في التاريخ المصري الحديث.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء