لم تكن زيارتي الأولى إلى مصر (أم الدنيا) وهو اسم يجري على ألسنة المصريين بمعنى أنها مهد الحضارة، وجملة أم الدنيا هي أعمق دلالة من جملة مهد الحضارة، ويقال إن الأوروبيين هم أول من أطلق هذا الوصف على مصر، وهم من أوجدوا علم المصريات وهكذا تكون مصر الدولة الوحيدة في العالم التي يوجد علم باسمها.
وعندما تنتقل الى مصر لا تشعر أنك انتقلت من بلد إلى بلد آخر، بل تشعر أنك عدت إلى مكانٍ سكنك طويلًا قبل أن تطأه قدماك، لهذا كان انتقالي إليها عبورًا داخليًا نحو جزءٍ من الروح ظلّ طويلًا يسكنني قبل أن أراه.
كانت مصر بالنسبة إليّ اسمًا أكبر من الجغرافيا، وأوسع من حدود الخرائط، كأنها طبقةٌ أخرى من الذاكرة العربية، أو نهرٌ طويل من الحكايات يسير بمحاذاة الزمن فمنذ طفولتي كنتُ كلما سمعتُ اسمها، رأيتُ في الخيال مآذن تتعانق مع ضوء الغروب، ووجوهًا تشبه التاريخ حين يبتسم، وكتبًا قديمة تفوح منها رائحة الورق المعتّق، وأغنيات تخرج من المقاهي العتيقة كأنها قادمة من زمن أم كلثوم وعبد الوهاب، وحافظ إبراهيم وأحمد شوقي.
كانت القاهرة تدخل بيوتنا من مذياعٍ كبير ما زلت أحتفظ به الى اليوم وهو من الأشياء النفيسة التي ورثتها عن والدي وتذكرني به رحمه الله، كان هذا المذياع يحمل إلينا صوت برنامج (هنا القاهرة)، ويبعث في ليالي الجزائر دفئًا خاصًا، كأنّ النيل كان يمرّ خفيًّا بين جدران البيوت، كبرتُ وأنا أسمع صوت آذان القاهرة والشيخ محمود الحصري وعبد الباسط عبد الصمد وصوت أم كلثوم في موعدها الشهري، ذلك الموعد الذي لم يكن مجرّد حفل غنائي، بل طقسًا عربيًا كاملًا تتوحّد فيه الأرواح من المحيط إلى الخليج، كانت (الست) كما يطلق عليها المصريون وهو لقب من أقدم وأشهر الألقاب ويُشير إلى الاحترام والتبجيل ويعكس مكانتها الرفيعة، حيث رسّخ صورتها كسيدة متوجة على عرش الطرب، كانت الست تبدو لنا أكبر من مطربة، كانت وطنًا من الشجن والكبرياء والحنين، وكنتُ أتصوّر القاهرة من خلال صوتها مدينة لا تنام، تتكئ على النيل، وتغنّي حتى الفجر.
كانت هذه الزيارة في مطلع شهر أبريل في آخر سنة من القرن الماضي، كان هذا الشهر يومها دافئًا كقلب أمّ، حنونًا كصوت عبد الباسط عبد الصمد وهو يرتّل القرآن في صباحات الروح، كان الربيع يمرّ خفيفًا على وجه المدينة، والهواء يحمل شيئًا من رائحة النيل الممتزجة بغبار التاريخ ودفء البشر، شعرتُ يومها أنّني لا أزور مدينة للمرة الأولى، بل أعود إلى ذاكرة قديمة كانت تسكنني منذ الطفولة، فكل خطوة كانت توقظ داخلي صورة قديمة، أو مشهدًا من مسلسل، أو جملة من رواية، حتى خُيّل إليّ أنّني أسير داخل ذاكرة الثقافة العربية نفسها.
حين اقتربت الطائرة من سماء القاهرة، بدا لي المشهد من الأعلى وكأنه لوحة هائلة مرسومة بالنيل والضوء والازدحام، مدينة لا تنام، ولا تدّعي الهدوء، لكنها تمنحك منذ اللحظة الأولى إحساسًا غريبًا بالألفة، كأنك زرتها قديمًا في كتاب، أو عشتها في فيلم أبيض وأسود، أو حفظتها من صوت المذيعين والشعراء والمطربين، فهناك مدن تحتاج إلى وقت كي تتعرف إليها، أما القاهرة فتدخل إليك دفعة واحدة، بصخبها، بحرارتها، بكثافتها البشرية، وبذلك الحضور الطاغي الذي يشبه هيبة العواصم القديمة.
في الطريق من المطار، كنتُ أحدّق عبر نافذة السيارة كطفل يرى العالم لأول مرة، كانت الشوارع طويلة، والجسور متشابكة، والوجوه مسرعة، ونداءات المارة تَمْلَأُ المكان، وأغنيات السيارات القديمة، ورائحة المدينة المختلطة بالغبار والتاريخ والكتب، وصوت الباعة الذين يشبهون شخصيات الروايات المصرية التي قرأناها طويلًا، كل شيء كان يتحرك بسرعة، لكن داخلي كان بطيئًا، يتأمل، يلتقط التفاصيل الصغيرة، ويخزنها بعناية داخل ذاكرة الرحلة، فالتاريخ يتنفس من الجدران العتيقة، والحجارة القديمة تحفظ أسرار الشعراء والدراويش والعاشقين، وهي أيضًا ذلك التناقض الجميل بين العراقة والفوضى، بين التعب والفرح، بين الزحام والحميمية، ومنذ تلك اللحظة الأولى، أدركتُ أنّ بعض المدن لا نستطيع أن نزورها ببرودة السائحين، لأنّها تكون قد سكنت وجدانك قبل الوصول إليها بسنوات طويلة، وكانت القاهرة واحدة من تلك المدن التي لا تُرى بالعين فقط، بل تُرى بالقلب أيضًا.
وعند الفجر كانت القاهرة تبدو كقصيدةٍ مفتوحة، مآذنها ترتفع في السماء مثل دعواتٍ بيضاء، وأصوات الباعة الأوائل تمتزج بزحمة الشوارع التي لا تنام، وكل شيء فيها كان مألوفًا على نحوٍ غريب، الأرصفة، المقاهي، الوجوه، حتى ضجيج السيارات بدا وكأنه جزء من موسيقى قديمة سمعتها من قبل عبر مذياعٍ، شعرت أنني لا أمشي فوق أرضٍ عادية، بل فوق طبقات متراكمة من الحضارة، فهنا مرّ الفاطميون، وهناك كتب طه حسين بعض أحلامه، وفي زاويةٍ ما ربما جلس نجيب محفوظ يراقب الناس وهم يصنعون رواياتهم اليومية دون أن يدروا، المدينة لا تحكي تاريخها بصوتٍ عالٍ، بل تتركه يتسرّب إليك بهدوء عبر الحجارة القديمة، والأبواب الخشبية، والمقاهي التي تحفظ أسماء الغائبين.
كان للنيل وقعٌ آخر في نفسي، لم أره نهرًا فقط، بل كائنًا هادئًا يحمل ذاكرة القارة كلّها، وقفت أمامه طويلًا، أراقب انسيابه الواثق، وأشعر أن الماء هنا أكثر حكمةً من أي مكان آخر، النيل لا يجري فقط، بل يروي، ويمنح المدن معنى الاستمرار، وعلى ضفتيه كانت القاهرة تبدو أقل صخبًا، وأكثر شاعرية، كأنها تخلع تعب النهار وتجلس قرب الماء لتستريح.
أما الناس، فكانوا أكثر ما منح الرحلة دفئها الحقيقي، ففي مصر تشعر أن اللغة ليست وسيلة تواصل فقط، بل جسرٌ من المودة الفورية، يكفي أن تتحدث حتى تجد قلبًا مفتوحًا، ونكتة عابرة، وابتسامة تُشعرك أنك لست غريبًا تمامًا... المصريون يملكون تلك القدرة النادرة على تحويل اللقاءات العابرة إلى ذكرياتٍ طويلة، وعلى جعل الغريب يشعر أنه واحدٌ من الحكاية.
لا يمكنك أن تزور القاهرة دون أن تعرج على السيدة زينب الحَوْرَاء بِنْت عليِ بن أَبِي طَالِب الملقبة بـ زَيْنَبَ الكبرى وثالثة أولاد فاطمةَ الزهراءِ بِنتِ الرسول محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وعليِّ بْنِ أبي طالب كرم الله وجهه، فلذلك عُدَّت زينبُ من السيدات الجليلات عند المسلمين ولها قداسة وإجلال عند الشيعة خاصة، ويعتقد بعض المؤرخين أنها دفنت في القاهرة، وعندما تقترب من مسجدها تشعر بحالة من الصفاء الروحي.
وفي الليل، حين تهدأ الحركة قليلًا وتلمع أضواء المدينة فوق صفحة النيل، كنتُ أشعر أن الرحلة بدأت تتحول من زيارةٍ إلى تأمل، كنتُ أراجع صور الطفولة العربية التي تشكلت في ذهني عن مصر، الأفلام القديمة، المسلسلات، الكتب، أصوات الإذاعة، الأغاني الوطنية والعاطفية، فأكتشف أن هذا البلد لم يكن بعيدًا عنا يومًا، بل كان حاضرًا في وجداننا الجماعي دون أن نشعر، فكلما مررت بشارعٍ أو ميدان، تسللت إلى ذاكرتك موسيقى ليالي الحلمية، فتشعر أنّك أسير داخل مسلسلٍ قديم أحببناه جميعًا، بكل ما فيه من حنين وتحولات وحكايات بشرية، كانت مصر بالنسبة إلينا دائمًا أكثر من بلد، كانت شاشةً وصوتًا وكتابًا وأغنيةً ومئذنةً وذاكرةً عربية مشتركة. لقد كانت زيارتي الأولى إلى مصر أشبه بلقاءٍ مؤجل مع ذاكرة عربية مشتركة، لقاء جعلني أؤمن أن بعض الأمكنة لا تُزار فقط، بل تُعاش.