من سيد درويش إلى مونديال 2026.. مصر حاضرة قبل صافرة البداية
بعيدًا عن أجواء المنافسة داخل المستطيل الأخضر، تبرز في بطولة كأس العالم مساحة أخرى لا تقل تأثيرًا، حيث تحضر الموسيقى والأناشيد الوطنية كعنصر رئيسي يسبق انطلاق المباريات بثوانٍ معدودة، لتصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية للجماهير حول العالم.
وفي النسخة الحالية من البطولة، يلفت الحضور العربي والمصري الأنظار من زاوية مختلفة، إذ تحمل أناشيد عدد من المنتخبات بصمات موسيقيين مصريين، ما يعكس امتداد تأثير الفن المصري خارج حدود الملاعب، وتحوله إلى قوة ناعمة حاضرة في أكبر حدث كروي عالمي.
مصر.. سيد درويش وصوت "بلادي بلادي"
يحمل النشيد الوطني المصري "بلادي بلادي" إرثًا فنيًا وتاريخيًا كبيرًا، حيث وضع ألحانه الموسيقار الراحل سيد درويش، مستلهمًا كلمات تعود إلى الشاعر محمد يونس القاضي، والمتأثرة بخطبة الزعيم الوطني مصطفى كامل الشهيرة.
ومنذ اعتماده رسميًا في عام 1979، أصبح النشيد ملازمًا لظهور المنتخب المصري في مختلف المحافل الدولية، ليظل اسم سيد درويش حاضرًا في المشهد الرياضي العالمي رغم مرور أكثر من قرن على رحيله، كأحد أبرز رموز الموسيقى الوطنية في العالم العربي.
الجزائر.. محمد فوزي و"قسمًا" في ذاكرة الثورة
أما في الجزائر، فيحمل النشيد الوطني "قسمًا" قصة فنية وإنسانية لافتة، إذ كتب كلماته الشاعر مفدي زكريا خلال فترة الثورة الجزائرية، قبل أن يتم البحث عن لحن يعكس قوة النص وعمقه.
وفي هذا السياق، تطوع الموسيقار المصري محمد فوزي بتلحين النشيد عام 1956 دون أي مقابل مادي، في موقف إنساني ظل محفورًا في الذاكرة الجزائرية، حيث قال حينها عبارته الشهيرة إنه "هدية لإخوانه في الجزائر".
ومع استقلال البلاد، أصبح "قسمًا" النشيد الرسمي للجزائر، فيما حظي محمد فوزي بتقدير واسع لاحقًا، تكريمًا لدوره في دعم القضية الجزائرية فنيًا ومعنويًا.
تونس.. حضور مصري في كلمات وألحان "حماة الحمى"
في الحالة التونسية، يظهر النشيد الوطني "حماة الحمى" كمثال آخر على تداخل الإبداع العربي، حيث تشير مصادر تاريخية إلى أن كلماته تعود في جزء كبير منها إلى الأديب المصري مصطفى صادق الرافعي، مع إضافات شعرية لاحقة من أبو القاسم الشابي.
أما على المستوى الموسيقي، فتتعدد الروايات حول مؤلف اللحن، إذ تُنسب بعض المصادر إلى الموسيقار المصري زكريا أحمد، بينما تشير آراء أخرى إلى أسماء مختلفة مثل محمد عبد الوهاب أو أحمد خير الدين، ما يعكس تعدد التأويلات حول أصل النشيد وتطوره عبر الزمن.
ويُستخدم النشيد في المناسبات الرسمية والمباريات الدولية، ليبقى شاهدًا على امتداد التأثير الثقافي العربي المشترك، حيث تتداخل فيه الكلمة واللحن في سياق وطني جامع.
القوة الناعمة.. حضور يتجاوز حدود الرياضة
تكشف هذه النماذج عن دور الفن المصري في تشكيل جزء من الهوية السمعية لعدد من المنتخبات العربية، لتتحول الأناشيد الوطنية إلى مساحة للتأثير الثقافي العابر للحدود، تسبق لحظة انطلاق المباراة، لكنها تبقى عالقة في الذاكرة بعد نهايتها.
وبين صافرة البداية ونهاية اللقاء، تظل الموسيقى المصرية واحدة من عناصر القوة الناعمة التي ترافق كأس العالم، مؤكدة أن الحضور الثقافي لا يقل أهمية عن الإنجاز الرياضي نفسه.