أحمد يحيى.. مخرج هزّم الرفض وصنع نجومية عادل إمام وخلّد السينما المصرية
تحل اليوم ذكرى ميلاد المخرج المصري الراحل أحمد يحيى، أحد أبرز صناع السينما في مصر خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، والذي استطاع أن يترك بصمة واضحة في السينما والدراما عبر أعمال جمعت بين الحس الفني والجاذبية الجماهيرية. وقد ارتبط اسمه بعدد كبير من الأفلام التي أصبحت جزءًا من ذاكرة السينما المصرية، قبل أن يرحل في عام 2022 بعد رحلة طويلة مع المرض، تاركًا إرثًا فنيًا متنوعًا ومؤثرًا.
وُلد أحمد يحيى في 16 يونيو عام 1944 بمحافظة بني سويف، ونشأ في بيئة قريبة من عالم الفن منذ طفولته، إذ شارك صغيرًا في بعض الأعمال السينمائية، قبل أن يتجه لاحقًا لدراسة الإخراج في المعهد العالي للسينما، ليتخرج عام 1968. وخلال بداياته العملية عمل مساعدًا لعدد من كبار المخرجين، ما منحه خبرة واسعة مهدت لظهوره كمخرج صاحب رؤية خاصة في السينما المصرية.
بدايات صعبة وصعود تدريجي نحو الإخراج
لم تكن بداية أحمد يحيى سهلة، فقد واجه صعوبات كبيرة في دخول عالم الإخراج السينمائي، خاصة مع مشروعه الأول فيلم "العذاب امرأة" عام 1977، حيث اصطدم برفض شركات الإنتاج والموزعين التعامل معه باعتباره وجهًا جديدًا. ورغم استعداده للتنازل عن أجره، لم يجد دعمًا في البداية، قبل أن تأتي الفرصة عبر المنتج رياض العقاد، الذي آمن بالمشروع وقرر إنتاجه، ليحقق الفيلم نجاحًا لافتًا شكل نقطة انطلاق حقيقية في مسيرته.
أعمال صنعت اسمًا كبيرًا في السينما المصرية
نجح أحمد يحيى في ترسيخ اسمه من خلال مجموعة من الأفلام المهمة التي تعاون فيها مع كبار النجوم، وكان من أبرزها فيلم "حتى لا يطير الدخان" عام 1984، المأخوذ عن رواية للأديب إحسان عبد القدوس، وبطولة عادل إمام.
ورغم المخاوف وقتها من تقديم نجم كوميدي في دور تراجيدي ثقيل، أصر أحمد يحيى على رؤيته، ليصبح الفيلم أحد أهم التحولات في مسيرة عادل إمام، الذي قدم من خلاله أداءً دراميًا مختلفًا عن أدواره الكوميدية المعتادة، وحقق العمل نجاحًا كبيرًا على المستويين النقدي والجماهيري.
كما قدم فيلم "كراكون في الشارع" بطولة عادل إمام ويسرا، والذي تناول أزمة السكن بأسلوب اجتماعي كوميدي، وحقق انتشارًا واسعًا. ومن أعماله أيضًا "رحلة النسيان"، و"العذاب امرأة"، و"حب لا يرى الشمس"، و"ليلة بكى فيها القمر"، و"يا عزيزي كلنا لصوص"، و"غدًا سأنتقم"، وغيرها من الأفلام التي تنوعت بين الدراما والرومانسية والقضايا الاجتماعية.
أزمات وتحديات صنعت شخصية المخرج
من أبرز المواقف الصعبة أيضًا التحدي الذي واجهه عند اختياره للفنان عادل إمام في فيلم "حتى لا يطير الدخان"، إذ قوبل القرار بانتقادات ومخاوف بسبب خروج النجم الشهير من عباءة الكوميديا. إلا أن تمسكه برؤيته الفنية أثبت نجاح التجربة وأعاد تشكيل صورة عادل إمام الفنية في الدراما السينمائية.
كما شهدت مسيرته خلافًا فنيًا مع الفنان الراحل فريد شوقي خلال تصوير أحد الأعمال، حيث اختلف الطرفان حول بعض الرؤى الإخراجية، قبل أن ينتهي الموقف باحترام متبادل واعتذار من الفنان الكبير، في واقعة عكست شخصية أحمد يحيى الصلبة في الدفاع عن رؤيته الفنية.
وفي مرحلة لاحقة من حياته المهنية، واجه أزمة مختلفة تمثلت في إحباطه من التغيرات التي طرأت على صناعة السينما، حيث رأى أن التركيز على شباك التذاكر جاء على حساب القيمة الفنية للأعمال، ما دفعه تدريجيًا إلى الابتعاد عن السينما منذ منتصف التسعينيات والاتجاه إلى الدراما التلفزيونية.
المرض والابتعاد عن الأضواء
في سنواته الأخيرة، عانى أحمد يحيى من تدهور صحي استمر لفترة طويلة، وأثر بشكل كبير على نشاطه الفني، حيث ابتعد تدريجيًا عن الساحة حتى توقف تمامًا عن العمل. ومع تراجع حالته الصحية، عاش بعيدًا عن الأضواء في هدوء نسبي، حتى وافته المنية في فبراير 2022 داخل أحد المستشفيات بالقاهرة.
إرث فني باقٍ في ذاكرة السينما
رغم رحيله، لا تزال أعمال أحمد يحيى حاضرة في ذاكرة السينما المصرية، حيث قدم مزيجًا من الأفلام الاجتماعية والرومانسية والدرامية التي شكلت جزءًا من وجدان الجمهور العربي. كما يُذكر له قدرته على اكتشاف طاقات تمثيلية جديدة، وإدارة نجوم كبار في أدوار مختلفة عن المعتاد.
وفي ذكرى ميلاده، يستعيد الوسط الفني والجمهور سيرة مخرج آمن بفنه، وواجه الرفض في بداياته، ونجح في تحويل التحديات إلى أعمال خالدة، ليبقى أحمد يحيى واحدًا من الأسماء المهمة في تاريخ السينما المصرية الحديثة.