حق الرأي مباح؟ نعم، وهو أولى في القضايا الوطنية.. لكن حق إهالة التراب على فترات نضال تاريخية مهمة من حياة الأمم لا!
حق النقد مكفول؟ نعم، وهو يكبر وفق حجم المسؤولية.. لكن حق إنعاش الإحباط وتوريث روح الهزيمة لأجيال بعد أجيال لا.
حق دراسة الأحداث الكبرى متاح؟ نعم، لكن إعادة إنتاج كبوات الأمم ودفعها دفعًا إلى الذاكرة الوطنية مجددًا لا!
بهذا المنطق وهذه الأسس نرد على سلسلة د. أيمن منصور ندا، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، والصدمة عنوان الأمر كله.. لماذا؟! نقول: رغم أننا لم نكن من مؤيدي د. أيمن في معاركه السابقة، لكن ظننا أن القدرة على صياغة جمل وتراكيب لفظية جيدة وسليمة خلفها عقلية قرأت وطالعت.. تصفحت وفحصت.. على الأقل تتمتع باستقلال نفسي لا يوقعها في مأساة السير بالدفع الذاتي خلف حملات ممنهجة، بعضها قادته ودفعت إليه سلطة غابرة.. وبعضها خططت له ونظمته جماعة مجرمة.. الأولى لسلطة خَلَفت سارت عكس اتجاه سلطة سَلَفت، فبحثت عن التبرير السياسي والتاريخي، والثانية مدفوعة بالثأرين السياسي والتاريخي معًا من عصر أطاح أحلامها، ومن زعيم سجن طموحها كما سجنها كلها!
والمؤسف، والذي يصبح كوميديا تدعو للضحك، أن حتى ما كان يصح قوله في السبعينيات على مسافة معقولة من نكسة 67، فقد صلاحيته في التناول في بدايات الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين!!
في الطب النفسي يصفون الظاهرة بما يسمونه الصدمة العابرة للأجيال (Transgenerational Trauma)، وفي تشخيص آخر بما يسمى الاجترار النفسي (Rumination)، والحالة الأولى أخطر، حيث تنتقل فيها مشاعر الحزن والهزيمة من جيل إلى آخر عبر حواديت العائلة ودروس التعليم ومواد الإعلام - الإعلام - والثقافة العامة، فيرث الأبناء أثرًا نفسيًا للحدث دون أن يعيشوه مباشرة.. ونحسب أن هذا هو عين المطلوب.. من أعداء شعبنا!!
الأسلوب الاستعراضي الذي أراد د. ندا توظيفه، حيث يبدأ سلسلته - مثلًا - بأبيات من قصيدة "هوامش من دفتر النكسة" لنزار قباني، أولًا ليعطي للموضوع أكبر مما يستحق.. لا نقصد أكثر مما تستحق 67 بطبيعة الحال، إنما نقصد أكثر مما تستحق سلسلة مقالاته، وثانيًا ليوحي أنه في المعسكر ذاته الذي يقف فيه نزار قباني، دون أن يقول للناس إن القصيدة كتبها نزار عام النكسة، وهو ما ينسجم مع ما نقول.. فكانت الأبيات حزنًا على ما جرى، وكرد فعل عاصف غاضب على حدث كبير.. ولكن ندا لا يقول أن نزار مُنع من مصر عقب ذلك، وأنه لجأ إلى عبد الناصر نفسه - الديكتاتور كما يصفه ندا - وقد ألغى على الفور قرار منعه من دخول البلاد!
نزار - لاحقًا - صاغ بلحمه ودمه ومشاعره ووجدانه ودموعه قبل حبره أروع قصائد الوداع للزعيم الخالد، بين قصيدتيه الشهيرتين "السيد نام" و"قتلناك يا آخر الأنبياء"، وقد اختتمها يقول:
"كل الأساطيرِ ماتت.. بموتك..
وانتحرت شهرزادْ
وراء الجنازةِ.. سارتْ قريشٌ فهذا هشام.. وهذا زيادْ..
وهذا يريق الدموعَ عليك وخنجره، تحت ثوب الحدادْ
وهذا يجاهد في نومهِ.. وفي الصحو.. يبكي عليهِ الجهادْ..
وهذا يحاول بعدك مُلكا.. وبعدك.. كل الملوكِ رمادْ..
وفود الخوارجِ.. جاءتْ جميعا لتنظم فيك.. ملاحم عشقٍ.. فمن كفَّروك.. ومنْ خوّنوك.. ومن صلبوك بباب دمشق..
أُنادي عليك.. أبا خالد وأعرف أني أُنادي بواد وأعرفُ أنك لن تستجيب وأنّ الخوارق ليستْ تُعاد"!!
عزيزي القارئ.. كان هذا هو الموجز.
وغدًا نبدأ الرد بالتفصيل!!