نظرية حديثة: انهيار النجوم قد يخلق أكوانًا صغيرة بدلًا من الثقوب السوداء
طرحت دراسة نظرية حديثة تصورًا غير تقليدي قد يغير فهم العلماء لمصير النجوم الضخمة في المراحل الأخيرة من حياتها، إذ تشير إلى إمكانية نشوء "كون صغير" داخل النجم أثناء عملية الانهيار، وهو ما قد يمنع تحوله إلى ثقب أسود كما تفترض النماذج التقليدية في الفيزياء الفلكية. ويقدم هذا الطرح تفسيرًا جديدًا لما يعرف بـ"النجوم الثقالية"، وهي أجسام كونية افتراضية يعتقد بعض الباحثين أنها قد تمثل بديلاً للثقوب السوداء، وتساعد في تجاوز عدد من المشكلات النظرية المرتبطة بها.
وتنتج النجوم العملاقة الضوء والحرارة والطاقة من خلال تفاعلات الاندماج النووي التي تجري باستمرار داخل أنويتها، حيث تعمل هذه التفاعلات على توليد ضغط هائل يتجه إلى الخارج ويعادل قوة الجاذبية التي تحاول ضغط النجم نحو الداخل. ويستمر هذا التوازن طوال حياة النجم، إلا أنه يختل تدريجيًا مع نفاد الوقود النووي، لتصبح الجاذبية القوة المسيطرة وتبدأ عملية الانهيار التي تمثل المرحلة الأخيرة من عمر النجم.
أسئلة بلا إجابات
ووفقًا للنظريات السائدة، فإن هذا الانهيار يستمر حتى تنضغط المادة إلى نقطة متناهية الصغر وعالية الكثافة تعرف باسم "التفرد"، وهي الحالة التي ترتبط بتشكل الثقوب السوداء. غير أن هذه الصورة النظرية لا تزال تثير العديد من التساؤلات التي لم تجد الفيزياء الحديثة إجابات قاطعة عنها، خاصة فيما يتعلق بطبيعة المادة والزمكان في هذه الظروف القصوى.
ويتساءل العلماء منذ عقود عن كيفية انضغاط كتل تعادل ملايين أو مليارات الشموس داخل نقطة متناهية الصغر، وكيف يمكن للزمكان أن ينحني بصورة لا نهائية عند حدود التفرد. كما تمثل الثقوب السوداء تحديًا إضافيًا بسبب وجود ما يعرف بـ"أفق الحدث"، وهو الحد الفاصل الذي لا يمكن لأي مادة أو إشعاع أو معلومة تجاوزه والعودة منه، بما في ذلك الضوء نفسه، الأمر الذي يجعل دراسة ما يحدث داخل الثقب الأسود من أصعب القضايا العلمية في العصر الحديث.
النجوم الثقالية
وأمام هذه الإشكاليات، اتجه عدد من الباحثين إلى دراسة فرضيات بديلة تفترض أن بعض الأجسام التي تصنف كثقوب سوداء قد تكون في الواقع نوعًا مختلفًا من الأجرام الكونية يعرف باسم "النجوم الثقالية". وتتشابه هذه الأجسام مع الثقوب السوداء في امتلاكها كتلة ضخمة وكثافة هائلة تجعل رصد الفروق بينها أمرًا بالغ الصعوبة، إلا أنها تختلف عنها في خصائص أساسية تتعلق ببنيتها الداخلية.
وتفترض هذه النظرية أن النجوم الثقالية لا تحتوي على تفرد ولا تمتلك أفق حدث، بل تضم في أعماقها طاقة مظلمة تتولد عنها قوة ضغط هائلة متجهة إلى الخارج. ويعمل هذا الضغط على موازنة قوة الجاذبية ومنع الانهيار الكامل للمادة، ما يسمح للجسم الكوني بالوصول إلى حالة مستقرة دون الحاجة إلى التحول إلى ثقب أسود كما تفترض النماذج التقليدية.
كون داخل النجم
وفي محاولة لتفسير كيفية تشكل هذه النجوم الثقالية، قدم الفيزيائيان النظريان دانيال جامبولسكي والبروفيسور لوتشيانو ريزولا نموذجًا جديدًا وصف بأنه أول حل ديناميكي لمعادلات النسبية العامة لألبرت أينشتاين يوضح آلية نشأة النجم الثقالي نتيجة انهيار نجم ضخم.
وتشير الدراسة إلى أن المادة المنهارة قد تشهد ولادة كون مصغر داخل النجم نفسه، حيث يتكون هذا الكون الناشئ بطريقة تشبه المراحل الأولى لنشأة الكون المعروف. ووفقًا للنموذج، يبدأ هذا الكون في التوسع بفعل الطاقة المظلمة، وهو توسع يشبه من حيث المبدأ ما حدث بعد الانفجار العظيم الذي أدى إلى نشأة الكون الحالي.
ومع استمرار هذا التوسع الداخلي، تتولد قوة ضغط متزايدة في الاتجاه المعاكس لقوة الجاذبية التي تدفع المادة إلى الداخل. وعندما يصل الضغطان إلى حالة من التوازن، يتوقف الانهيار قبل الوصول إلى مرحلة التفرد أو تشكل الثقب الأسود، لينشأ بدلاً من ذلك جسم مستقر يعرف بالنجم الثقالي.
توازن الانهيار
ويرى الباحثان أن هذا النموذج يقدم تفسيرًا متكاملاً لسؤال ظل مطروحًا في الأوساط العلمية لما يقرب من ربع قرن، ويتعلق بكيفية تحول المادة العادية المنهارة إلى نجم ثقالي بدلاً من ثقب أسود. ويشير النموذج إلى أن الكون الداخلي الناشئ لا يكون مجرد ظاهرة عابرة، بل يصبح عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على استقرار الجسم الكوني ومنع انهياره الكامل.
وأوضح دانيال جامبولسكي أن الانفجار العظيم الخاص بهذا الكون الصغير قد يحدث في مرحلة متأخرة للغاية من الانهيار النجمي، عندما تصل المادة إلى درجات كثافة وضغط هائلة لم تتم دراستها بشكل كامل حتى الآن. وأضاف أن هذه الظروف الاستثنائية قد تكشف عن ظواهر فيزيائية جديدة لم ترصد من قبل، ما يفتح الباب أمام فهم أعمق لسلوك المادة في البيئات الأكثر تطرفًا في الكون.
من جانبه، أكد البروفيسور لوتشيانو ريزولا أن دراسة مثل هذه النماذج لا تعني التشكيك في وجود الثقوب السوداء، مشيرًا إلى أنها لا تزال التفسير الأكثر شيوعًا والأقرب إلى البساطة لفهم مصير النجوم العملاقة بعد انتهاء حياتها. لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية مواصلة البحث في الفرضيات البديلة، خاصة في القضايا التي ما زالت تطرح أسئلة أساسية دون إجابات نهائية.
وأضاف أن تاريخ العلوم أثبت مرارًا أن كثيرًا من الأفكار التي بدت غريبة أو بعيدة عن التصديق في بداياتها تحولت لاحقًا إلى نظريات علمية راسخة، وهو ما يجعل استكشاف مثل هذه النماذج جزءًا مهمًا من عملية التطور العلمي. وتفتح هذه الدراسة الباب أمام رؤى جديدة لفهم الثقوب السوداء والجاذبية وطبيعة الزمكان، كما تثير تساؤلات أوسع حول إمكانية وجود أكوان ناشئة داخل أجسام كونية منهارة، وهي أفكار قد تحمل مستقبلًا مفاتيح جديدة لفهم نشأة الكون وتطوره.