أسد العالم يفقد أنيابه.. خبراء يكشفون لـ«إيجبتك» كيف ماتت الأمم المتحدة «إكلينيكيا»
مصر تقود عملية إصلاح المنظمة الدولية.. والفيتو مرض مستعصي
د.جمال سلامة أستاذ العلوم السياسية: الأمم المتحدة فقدت فعاليتها منذ انتهاء الحرب الباردة وتحولت الى منتدى للمناقشة والحوار
د. إكرام بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية: المشكلة الجوهرية تكمن في "حق الفيتو" وتنتظر مصير عصبة الأمم
الأمم المتحدة تجتمع فيها كافة الدول، وعلى طاولتها تتساوى الرؤوس، وُجِدت لحل المشاكل الدولية، والفصل بين الدول. هي الكيان الأهم والأقوى في العالم، طاولتها وجلساتها محط أنظار الدول الصغيرة قبل الكبيرة. إنها الأسد الدولي الذي فقد أنيابه مؤخرًا وعجز عن إلزام إسرائيل بإيقاف الإبادة الإسرائيلية، طارحاً السؤال الأهم: ماذا بعد أن عجزت الأمم المتحدة عن عرقلة المخطط الإسرائيلي؟ وهل ستستمر الأمم المتحدة أم مصيرها إلى الزوال كما كانت عصبة الأمم؟! أسئلة كثيرة فرضت نفسها على الواقع العالمي، خاصة بعد الجلسات الأخيرة التي شهدت انسحابات لدول من الجلسات، بالإضافة إلى كلمات قوية رافضة لما يحدث وعجز القرارات الأممية.
"إيجبتك" في هذا التحقيق بحثت عن إجابة لهذه الأسئلة، واستمعت لخبراء السياسة لمعرفة مصير الأمم المتحدة المستقبلي، وهل ستنتهي إلى نفس المصير بالانحلال كما عصبة الأمم، أم هناك واقع آخر سيضمن بقاءها، مستعرضة أبرز التحديات التي تواجه الأمم المتحدة في وقتنا الحالي.
بدأت قصة الأمم المتحدة عام 1945، تحديداً يوم الخامس والعشرين من أبريل، لتكون نشأتها بمثابة شهادة وفاة لـعصبة الأمم التي حُلَّت قبلها بيوم واحد. كان الهدف الرئيسي من تأسيسها هو إيجاد كيان دولي متعدد الأطراف يمتلك اليد الأقوى في إيجاد حلول للمشاكل الدولية والحروب، وتحديداً الحرب العالمية الثانية التي كانت سبباً رئيسياً في انهيار عصبة الأمم.
كان الهدف من إنشاء الأمم المتحدة أن تكون الكيان الجامع لكافة الدول، وأيضاً أن تكون بوابة لعضوية الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تكن قد انضمت إلى عصبة الأمم.. بالفعل، شهدت الجمعية الدولية للأمم المتحدة نجاحات كبيرة على أرض الواقع وحققت بعض الإنجازات، إلا أنها مؤخراً، وفي ظل التوترات الجيوسياسية المتزايدة، أصبحت غير قادرة على حل النزاعات الرئيسية، مثل الحرب في أوكرانيا والصراع في غزة، وباتت كياناً هشاً أمام "الفيتو" الأمريكي.
تعالت الأصوات مؤخراً بأنه إذا ما استمرت الأوضاع على هذا النحو، فإن مصير الأمم المتحدة سيكون الحل، كما أكد رئيس كينيا ويليام روتو في كلمته خلال الجلسات الأخيرة بالأمم المتحدة، إذ شدد على أن المنظمة تواجه خطر الانهيار نفسه الذي واجهته العصبة، مطالباً بـ"أمم متحدة أشجع".
فالمنظمة تعاني من أكبر أزمة مالية منذ تأسيسها، مع وجود انقسامات كبيرة بين القوى الكبرى في مجلس الأمن، مما يعيق اتخاذ قرارات فعالة. ومع هذا، ما زال البعض يرى في الواقع الدولي أن الأمم المتحدة قد تستفيق وتضع حلولاً دولية للمشاكل التي يشهدها العالم، أو أنها ستبقى كما هي أسداً بلا أنياب، وكياناً ميتاً إكلينيكياً.
كما أن الموقف المصري كان هو الأكثر جرأه عندما أعلن د. بدر عبد العاطي وزير الخارجية في كلمته في النقاش العام رفيع المستوى للدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك، والذي أكد فيه موقف مصر بأن إصلاح الأمم المتحدة ومنظمات التمويل الدولية لم يعد خياراً قابلاً للتأجيل بل ضرورة ملحة لضمان تمثيل عادل ومتوازن في آليات اتخاذ القرار الدولي ، وتعيد مصر التأكيد على تمسكها بتوافق "أوزوليني" و "إعلان" سرت" لرفع الظلم التاريخي عن القارة الأفريقية بمجلس الأمن.
القرار 242
يقول د.جمال سلامة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة السويس، إن الأمم المتحدة فقدت فعاليتها وتأثيرها الفعلي منذ انتهاء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي. ويصفها حالياً بأنها "كيان ميت إكلينيكياً" لا يتجاوز كونه منتدى للمناقشة والحوار، وغير قادر على اتخاذ قرارات جدية لحفظ الأمن والسلم الدوليين.

ويشير إلى أن الأمم المتحدة نَشأت في عصر التوازنات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، بهدف تحقيق مجتمع دولي أكثر استقراراً وحل مشاكل الدول الأعضاء. ولكن قوتها الفعالة وعمودها الفقري الأساسي، وهو مجلس الأمن، انتهى عملياً بتحوُّل النظام الدولي إلى القطبية الأحادية، حيث أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية هي المتحكم الوحيد تقريباً في قرارات المنظمة.
ويوضح أستاذ العلوم السياسية أن المشكلة الرئيسية تكمن في "حق الفيتو" الذي تستخدمه الولايات المتحدة بكثرة، لدرجة أنها أصبحت الدولة الأكثر استخداماً له بعد انتهاء التفاهمات مع الاتحاد السوفيتي، وهذا التحول أدى إلى انهيار فعالية الأمم المتحدة، التي كانت فعالة نسبياً في فترة الحرب الباردة بفضل التوازن بين القوتين العظميين؛ إذ كانت التفاهمات بينهما تُسهم في تمرير قرارات مهمة مثل القرار 242 الخاص بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967. ولكن زمن هذه التوازنات ولَّى، ما سمح للولايات المتحدة بالسيطرة على قرارات مجلس الأمن، مُستخدمة الفيتو بشكل انتقائي لخدمة مصالحها.
ويضيف أن عصب الأمم المتحدة كله هو مجلس الأمن، وهو الموكَل إليه إصدار القرارات بشأن حفظ الأمن والسلم، ولكنه عاجز عن ذلك لأن أمره موكَل في يد الأعضاء الخمسة دائمي العضوية. ويؤكد: "في واقعنا الحالي، الولايات المتحدة هي الدولة الأكثر استخداماً للفيتو، وبالتالي هي التي تتحكم في الأمم المتحدة".
ويكمل الدكتور سلامة أن الدول تدرك أن المنظمة التي يمكن وصفها بـ"الجسد" - ليس بيدها اتخاذ القرارات؛ ولذلك تسعى للحفاظ عليها كـ"منتدى للنقاش والمداولة" ، بينما "المخ" الذي هو مجلس الأمن لا يعمل. خاصة أنه لا يوجد قرار يمرر في مجلس الأمن في صالح المجتمع الدولي إلا وتترصد له الولايات المتحدة".
ويحذّر الخبير السياسي من التداعيات الخطيرة لاستمرار عجز الأمم المتحدة وتجرؤ الدول عليها، مشيراً إلى أن ذلك يدفع المجتمع الدولي نحو الفوضى. سيؤدي هذا الوضع إلى مزيد من الفوضى الدولية التي تتزايد مع تجرؤ دول مثل روسيا وإسرائيل، وحتى الصين في قضية تايوان، على تجاهل الأمم المتحدة، مما يهدد استقرار النظام الدولي، ولكن، مع هذا، فإن غياب إرادة دولية لإصلاح منظومة اتخاذ القرار في مجلس الأمن، وخاصة إلغاء حق الفيتو، يجعل إنشاء كيان دولي جديد أمراً شبه مستحيل؛ لأنه يتطلب موافقة الدول الخمس دائمة العضوية، التي لن تتخلى طواعية عن هذا الامتياز.
ويؤكد أن هذا الضعف هو السبب وراء لجوء العالم إلى انتظار "إشارة من السيد ترامب" لحل أزمات دولية وإقليمية كبرى، مثل الحرب في أوكرانيا أو التوترات بين الصين وتايوان، بعد أن كان هذا الدور موكلاً لمجلس الأمن والأمم المتحدة.
ويختتم د. سلامة حديثه مؤكداً أن الوضع سيبقى على ما هو عليه في الوقت الحالي: "كيان ميت إكلينيكياً، ودولة ترى أنها الأعظم والمتحكمة، ودول منساقة لهذا الوضع". مشدداً على صعوبة قيام كيان دولي جديد في ظل غياب الإرادة الدولية والتوازنات الحالية.
عصبة الأمم
وفي نفس السياق، يحذِّر د. إكرام بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية، من التداعيات السلبية لاستمرار حالة العجز التي تعاني منها الأمم المتحدة. يؤكد أن المنظمة الدولية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية بهدف حفظ السلم والأمن الدوليين باتت تواجه مصيراً مشابهاً لمصير عصبة الأمم، وذلك بسبب استخدام "حق الفيتو" في مجلس الأمن، الذي يعطل قدرتها على اتخاذ القرارات وتحقيق أهدافها.

ويشير د. بدر الدين إلى أن حالات الفشل المتكررة للأمم المتحدة في التعامل مع أزمات دولية كبرى، مثل الأوضاع في أوكرانيا والاعتداءات الإسرائيلية في الشرق الأوسط، خاصة في غزة، وجرائم الحرب المرتكبة دون تطبيق لقواعد القانون الدولي، قد أضعفت من هيبتها ومكانتها كمنظمة دولية.
ويوضح أن المشكلة الجوهرية تكمن في "حق الفيتو" الذي تتمتع به الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، مما يسمح لدولة واحدة بتعطيل أي قرار، حتى لو أيدته الدول الـ 14 الأخرى.
ويصف بدر الدين هذا الوضع بأنه "ازدواجية في المعايير ومنطق معكوس، ".ولكن في نفس الوقت أن الأمم المتحدة ليست في موقف ضعف في جميع الأحوال، بل إن قدرتها على اتخاذ القرار تكون انتقائية، مرهونة بتوافق الدول صاحبة حق الفيتو.وهناك مواقف أن مجلس الأمن، عندما تتوفر لديه الإرادة والرغبة المشتركة بين الدول دائمة العضوية، يستطيع التدخل، كما حدث في حالة العراق عندما غزت الكويت، لكن في حالات أخرى، كقضية غزة، يبقى عاجزاً نتيجة الفيتو.
ويشير أستاذ العلوم السياسية إلى أنه على الرغم من أن الفيتو هو العائق الرئيسي للقرارات الدولية الحاسمة، إلا أن هناك صعوبة في إلغاء حق الفيتو؛ خاصة أن الأمر يتطلب موافقة الدول الخمس التي تتمتع به، وهو ما يُعد أمراً شبه مستحيل نظراً لتمسك هذه الدول بهذه الميزة.
ويرى د. بدر الدين أن هذا الوضع يهدد النظام الدولي ككل، ويدفع إلى التساؤل حول إمكانية وجود كيان بديل. ولكن يظل هذا الأمر مستبعداً، وسيظل العائق أمام قيام منظمة دولية بديلة للأمم المتحدة هو نفسه الأسباب القانونية التي تحول دون إلغاء الفيتو.
ويشدد على أن الأمم المتحدة، في ظل استمرار هذا العجز، قد تكون في وضع "الموت الإكلينيكي"؛ فهي موجودة ولكنها لا تستطيع ممارسة مهامها الأصلية. ونتاجاً لهذا، سيكون البديل هو "تقوية دور التنظيمات والتكتلات الإقليمية" كالاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأفريقي، وغيرها، لمواجهة الضعف الذي يعاني منه النظام الدولي، مؤكداً أن هذه التكتلات يمكن أن تعوِّض جزئياً عجز الأمم المتحدة في حل المنازعات وتطبيق القانون الدولي.
"ضعف ممنهج"
وفي سياق متصل شدد د.سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، على أن المنظمات الدولية الكبرى، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، تتعرض لعمليات"ضعف ممنهج" من قبل القوى العظمى التي تستخدمها لتحقيق مصالحها الخاصة، مما حولها إلى كيان "ابتزازي" في بعض جوانبه، بدلاً من أن تكون أداة لحل المشكلات الدولية.
ويشير إلى أن جهود إصلاح الأمم المتحدة، أمر ليس بجديد وكان هناك محاولات في السابق وعلى رأسها خطة الأمين العام الأسبق بطرس غالي في التسعينيات، باءت بالفشل نتيجة لعرقلة الدول الكبرى التي ترفض التخلي عن امتيازاتها، خاصة "حق الفيتو" في مجلس الأمن.
ويوضح أنه كان من ضمن الحلول المقترحة للإصلاح، مثل توسيع عضوية مجلس الأمن لتضم دولاً من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، أو تقييد استخدام "الفيتو" (كمنعه بعد استخدامه لمرتين على نفس القضية)، لم يتم تطبيقها بسبب رفض الدول دائمة العضوية التنازل عن هذه الميزة التي تتيح لها التحكم في سير القرارات العالمية.
ويؤكد أن هذا العجز يظهر بوضوح في الأزمات الكبرى، قائلاً: "روسيا تستخدم حق الفيتو لتعطيل أي قرار ضد غزوها لأوكرانيا، والولايات المتحدة تستخدمه لمنع أي قرار يوقف العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين. الموضوع ليس مسألة عدل، بل هو مسألة قوة وابتزاز".
ويضيف أنه على الرغم من هذا الضعف التي تشهده الأمم المتحدة، استبعد فانهيارها بالكامل في الوقت الحالي أمر مستبعد ، مؤكداً أن التجربة العالمية ترفض ترك فراغ دولي. علي الرغم أننا أيضا نمر بنفس الطريق الذي سارت فيه عصبة الأمم التي انهارت، ولكن في الأمم المتحدة، هناك جوانب فشل، وهناك جوانب نجاح مهمة جداً لا يمكن الاستغناء عنها".
وأشار أستاذ علم الاجتماع السياسي إلى أن منظمات مثل منظمة الصحة العالمية (WHO)، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، تقدم خدمات حيوية للدول الفقيرة والعاجزة، وليس هناك بديل لها الآن.
واختتم الدكتور سعيد صادق حديثه قائلاً "الحل ليس في إيجاد كيان بديل، لأن هذا صعب ومعقد، بل الحل الوحيد المتاح هو الإصلاح، عبر فرض الجمعية العامة للإصلاحات على مجلس الأمن، حتى لا يستمر الوضع 'ميت إكلينيكياً'، وتظل الأمم المتحدة عاجزة في القضايا الكبرى لكنها مستمرة في خدمة مصالح الدول العظمى".