محمد عبدالرحمن يكتب: الضمانات الغائبة.. الدعم النقدي ورغيف الخبز
في كل مرة يثار فيها الحديث عن التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، لا يبدأ الجدل من أرقام الموازنة ولا من حسابات الخبراء، بل يبدأ من مكان أكثر بساطة وأكثر حساسية: مائدة الأسرة المصرية.
هناك مواطن لا ينظر إلى رغيف الخبز باعتباره سلعة غذائية فقط بل باعتباره ضمانة يومية ضد تقلبات الحياة، ضمانة يعرف قيمتها جيدًا في بلد شهد خلال سنوات قليلة موجات متتالية من التضخم وتراجعًا في القوة الشرائية وارتفاعًا في أسعار السلع الأساسية.
لذلك فإن النقاش الدائر حول مستقبل الدعم لا يتعلق فقط بكيفية توزيع الأموال بل يتعلق بمستوى الأمان الاقتصادي الذي يشعر به المواطن البسيط، ومن هنا تبرز الحقيقة الأهم: إذا لم تضبط الأسواق فإن الدعم النقدي قد يتحول من أداة حماية إلى وقود إضافي للأسعار.
فالعدالة الاجتماعية لا تتحقق حين تعلن الحكومة عن قيمة دعم أكبر، بل حين يصل هذا الدعم إلى مستحقه بنفس القوة الشرائية التي صمم من أجلها، ولكن حين يتحرك التضخم بسرعة تفوق سرعة المراجعة الحكومية يصبح المواطن محدود الدخل في مواجهة معادلة قاسية: دعم ثابت من جهة، وأسعار متغيرة بلا سقف من جهة أخرى.
وهنا تتحول القضية من نقاش اقتصادي تقني إلى سؤال سياسي بامتياز: هل تستطيع الدولة بناء نظام دعم لا يفقد قيمته في الطريق إلى المواطن؟
في الأدبيات الاقتصادية الحديثة، لا ينظر إلى بعض السلع الأساسية باعتبارها منتجات استهلاكية فقط بل باعتبارها أدوات للاستقرار الاجتماعي، ورغيف الخبز في مصر يمثل نموذجًا واضحًا لذلك.
فعلى مدار عقود طويلة، تحول الخبز المدعم إلى جزء من العقد الاجتماعي غير المكتوب بين الدولة والمواطن. المواطن يقبل أعباء الإصلاحات الاقتصادية والتقلبات السوقية، مقابل وجود حد أدنى من الحماية يضمن له الوصول إلى الغذاء الأساسي بغض النظر عن ظروف السوق.
أنصار الدعم النقدي يستندون إلى منطق اقتصادي معروف، يقوم على أن منح المواطن أموالًا مباشرة أكثر كفاءة من دعم السلع نفسها، لأن المواطن يصبح حرًا في اختيار احتياجاته بدلًا من إلزامه بسلة محددة من السلع.
ونجح الطرح بالفعل في بعض الدول التي تمتلك أسواقًا تنافسية قوية ومستويات تضخم منخفضة وآليات رقابة فعالة، لكن المشكلة أن نجاح النظرية لا يعني بالضرورة نجاح التطبيق في كل الظروف.
فالاقتصادي الأمريكي ميلتون فريدمان، أحد أبرز المدافعين عن التحويلات النقدية المباشرة، افترض وجود أسواق تعمل بكفاءة عالية ومنافسة تمنع التجار من التلاعب بالأسعار، أما في الأسواق التي تعاني من تشوهات هيكلية أو احتكارات أو ضعف المنافسة، فإن جزءًا من الدعم النقدي قد ينتقل عمليًا من جيب المواطن إلى جيب الوسيط أو التاجر عبر ارتفاع الأسعار.
وهنا يظهر التحدي الحقيقي أمام أي تحول للدعم النقدي في مصر، فالمشكلة ليست في فكرة الدعم النقدي نفسها، بل في الضمانات التي تسبق تطبيقه، فإذا حصل المواطن على مبلغ ثابت بينما ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة 15% أو 20% خلال عام واحد، فإن القيمة الحقيقية للدعم تتآكل تدريجيًا.
تلك الظاهرة تعرف اقتصاديًا باسم "تآكل القوة الشرائية"، وهي واحدة من أخطر التحديات التي تواجه برامج الدعم النقدي في الدول التي تشهد معدلات تضخم مرتفعة أو متقلبة، لذلك فإن نجاح أي نظام للدعم النقدي يحتاج إلى ثلاث ضمانات أساسية:
- أولًا: وجود آلية تلقائية لربط قيمة الدعم بمعدلات التضخم، بحيث لا يفقد المواطن قدرته الشرائية مع مرور الوقت.
- ثانيًا: رقابة فعالة على الأسواق لمنع الممارسات الاحتكارية والمغالاة في الأسعار.
- ثالثًا: شفافية كاملة في مراجعة قيمة الدعم بشكل دوري وفق المتغيرات الاقتصادية.
وبدون تلك الضمانات يصبح الدعم النقدي معرضًا لفقدان تأثيره الاجتماعي تدريجيًا.
والنقاش حول الدعم غالبًا ما يركز على المواطن، لكنه يتجاهل أحيانًا جانبًا آخر لا يقل أهمية وهو هيكل الأسواق نفسها، فالفجوة بين سعر المنتج وسعر البيع النهائي في بعض السلع الأساسية تطرح تساؤلات مستمرة حول كفاءة سلاسل التوزيع وحجم المنافسة داخل السوق.
وفي العديد من التجارب الدولية، لم يكن الحل فقط في زيادة قيمة الدعم بل في زيادة المعروض من السلع، وتوسيع المنافذ الحكومية وتعزيز المنافسة ومكافحة الاحتكار.
في النهاية، قضية الدعم ليست مجرد بند في الموازنة العامة، وليست مجرد معادلات مالية تتعلق بالكفاءة وترشيد الإنفاق، إنها قضية ترتبط مباشرة بمفهوم العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي والثقة بين الدولة والمواطن.
أيها السادة، الدعم النقدي ليس فكرة خاطئة في حد ذاته، لكنه أيضًا ليس حلًا سحريًا، فنجاحه يتوقف على ثلاث ركائز لا يمكن تجاوزها: ربط تلقائي حقيقي بالتضخم، ورقابة صارمة على الأسواق، وآلية شفافة تمنع تآكل القيمة مع الزمن، وإلى أن تتوافر الضمانات بشكل كامل سيظل رغيف الخبز بالنسبة لملايين الأسر المصرية أكثر من مجرد سلعة مدعمة؛ سيظل رمزًا للأمان الاقتصادي في زمن تتغير فيه الأسعار أسرع مما تتغير الدخول.