رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في ذكرى رحيله.. سعد أردش مبدع قاد المسرح العربي نحو العالمية

سعد أردش
سعد أردش

تحل اليوم ذكرى رحيل قامة فنية استثنائية ورائد من رواد التنوير في الثقافة العربية، المخرج والممثل والأكاديمي الكبير الدكتور سعد أردش، الذي لم يكن مجرد مخرج مر عبر تاريخ المسرح الإقليمي، بل كان مؤسسا لتيارات مسرحية جديدة، وساهم في تشكيل وعي أجيال كاملة من المسرحيين، تاركا إرثا فنيا وأكاديميا يمتد لأكثر من نصف قرن من العطاء.

 

النشأة

 

ولد سعد عبد الرحمن أردش في مدينة فارسكور بمحافظة دمياط، ونشأ وفي داخله شغف بالفن، إلا أن رحلته لم تكن مفروشة بالورود، حيث بدأ حياته المهنية موظفا في هيئة السكة الحديد لتأمين معيشته، لكن هذا لم يثنه عن ملاحقة حلمه.

انتقل أردش إلى القاهرة والتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية ليتخرج فيه عام 1952، وفي خطوة تعكس عمق رؤيته وثقافته، لم يكتف بالدراسة التخصصية للفن، بل التحق بكلية الحقوق بجامعة عين شمس وحصل على الليسانس عام 1955، مؤمنا بأن دراسة القانون والعلوم الإنسانية تمنح الفنان عمقا وفهما أشمل للنفس البشرية والمجتمع.

 

البعثة الإيطالية وتحول مسار الإخراج المسرحي

 

جاءت المحطة الأبرز في مسيرة سعد أردش عندما أرسل في بعثة دراسية إلى إيطاليا، حيث التحق بالأكاديمية المصرية للفنون بروما وتخصص في الإخراج المسرحي حتى عاد إلى مصر عام 1961، وعادت هذه البعثة على المسرح بفوائد أساسية، إذ نقل أردش المدارس الإخراجية الأوروبية الحديثة وتأثر بالمسرح الملحمي، وقدم رؤى بصرية وحركية لم تعهدها خشبات المسرح العربي من قبل.

وتميزت فترة الستينيات التي توصف بالعصر الذهبي للمسرح، ببصمته الواضحة، حيث تعاون مع كبار الكتاب مثل سعد الدين وهبة، ونعمان عاشور ومحمود دياب، ومن أبرز إسهاماته في هذه الحقبة تأسيسه لـ "مسرح الجيب" عام 1962، والذي كان بمثابة مختبر تجريبي لتقديم العروض الطليعية والنصوص العالمية المترجمة.

 

أبرز الأعمال

 

امتدت إبداعات سعد أردش لتشمل الإخراج والتمثيل والتدريس وحتى التأليف والترجمة، وتتوزع تركته الإبداعية محاور عدة، ففي الإخراج المسرحي قدم روائع خالدة شكلت وجدان الجمهور، من أشهرها مسرحية "سكة السلامة" و"السبنسة" و"هلو شلبي" و"لعبة الانقراض"، ورغم كونه رجل مسرح بالمقام الأول، إلا أنه ترك بصمات مميزة كممثل أداء صوته وتعبيراته حادة وقوية في التمثيل السينمائي والتلفزيوني، وشارك في أفلام مثل "قنديل أم هاشم" و"درب المهابيل" و"الرجال لا يتزوجون الجميلات"، أما في التلفزيون، فقد برع في مسلسلات درامية شهيرة مثل "المال والبنون" و"الناس في كفر عسكر" و"جمهورية زفتى".

وعلى الجانب العلمي، أثرى سعد أردش المكتبة العربية بمراجع دقيقة في فن الإخراج، أبرزها كتابه العمدة "المخرج في المسرح المعاصر" الصادر عام 1979 ضمن سلسلة عالم المعرفة، وكتاب "المسرح الإيطالي".

 

المناصب والتقدير الرسمي

 

تقلد الراحل عدد من المناصب القيادية والأكاديمية الرفيعة؛، فعمل أستاذا ورئيسا لقسم التمثيل والإخراج بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وتولى إدارة مسرح الجيب ومسرح الحكيم، إضافة إلى رئاسة البيت الفني للمسرح، كما نال شرف اختيار كأول مدير لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عند تأسيسه عام 1988.

وتكللت مسيرته بتقدير الدولة والمحافل الثقافية، فحصل على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1967، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون من المجلس الأعلى للثقافة، تقديرا لدوره القيادي في معركة التنوير.

 

الرحيل

 

وفي 13 يونيو 2008، رحل الدكتور سعد أردش في الولايات المتحدة الأمريكية بعد صراع مع المرض عن عمر ناهز 84 عاما، وغاب بجسده في نفس الشهر الذي ولد فيه، مفارقا دنيانا في يوم يقترب من يوم ميلاده، وتظل ذكرى واجهة مسرحية عربية علمت الملايين أن المسرح ليس مجرد وسيلة ترفيه، بل هو مرآة المجتمع وأداة للتغيير ومنصة للارتقاء بالوعي الإنساني.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء