ما الذي يدفع أستاذًا جامعيًا أو كاتبة كبيرة - حتى لو كانت في السن - وإعلامية شهيرة - حتى لو كان عقلها مهلبية - أو رجل أعمال وغيرهم، إلى الإلحاح - الدائم - على تذكير الناس بمحنة مرت بها بلدهم وجيشهم العظيم؟!
ما المكسب؟! ما المتعة التي يشعرون بها؟! نفهم أن يفعل ذلك العدو وجيش الاحتلال، لكن لماذا يفعله مصري أو عربي؟! دفعتني الدهشة دفعًا لسؤال صديقي اللدود، الذي هب في وجهي كوابور الجاز القديم وصرخ:
ما هي هزيمة نكراء كاسحة ماحقة.. ليه عايز تجملها؟
قلت: لأن الحروب التي تنتهي فعلياً هي التي تُكتب فيها كلمة النهاية.. كما في الأفلام القديمة.. ما بين انطلاق الحرب ونهايتها قتال يسمى معارك.. إحنا بقى خسرنا معركة، وكسبنا أخرى في ٧٣، ورغم ذلك ورغم المعاهدة لم يزل الصراع مستمرًا، إنما بأشكال أخرى!
ثم باغتُّه: من انتصر على الفرنجة؟!
صلاح الدين طبعًا.. إيه الأسئلة دي؟!
قلت: قبلها كان في معارك عديدة، لكن الحرب كسبها صلاح الدين.. في الحرب العالمية ياااااما انتصر هتلر في معارك، لكن من انتصر في النهاية؟ الحلفاء.. هذا هو الفرق بين خسارة حرب وخسارة معركة! فهمت؟!
نظر طويلًا يتأملني.. يفكر في رد جديد.. ألمح حيرته بين إعلان جهله أو إعلان هزيمته، لكنه اختار طريقًا ثالثًا وقال:
المسميات مش مهمة.. المهم ما حدث على الأرض وكان كارثة!
قلت: الله ينور عليك.. قول كمان الزبد دي.. الحمد لله أن المسميات مش مهمة. لكن بس سؤال.. أومال عاملين ليه كل الهيصة دي؟! وسنويًا في مجهود حقير لرفض لفظ "نكسة"، والإصرار على أنها "هزيمة"؟!
صرخ منفعلًا.. انفعل صارخًا: لأن على الأرض النتايج كارثية!
قلت: ومش إحنا بكينا وعيطنا ولطمنا وتظاهرنا، وهتفنا ورفضنا وشتمنا؟! مش عدنا وحاربنا، وقاومنا وبنينا وعبرنا وانتصرنا؟! إنت عارف إحنا في سنة كام؟! ٦٧ تقترب من عامها الستين، وإنت لسه شغال بقوة الغباء، قصدي الدفع الذاتي، كما أنت من عشر سنوات.. كما كنت من عشرين عامًا.. كما هم من ثلاثين عامًا.. كما هم من أربعين عامًا.. كم من الزمن تحتاجه.. تحتاجونه لتتوقفوا وتنتهوا عند ما انتهى إليه التاريخ.. أو قل التواريخ.. التاريخ ألم يقل كلمة النهاية بعد؟!
راح بنظره كجهاز أشعة يخترق عيني.. يقرأ فيهما ما لا أعرف.. يستكشف ما بهما لا أعرف.. سيُغمى عليه؟ لا أعرف.. حتى قال:
إنتو المستفيدين من نظام أو عهد عبد الناصر لازم كده تدافعوا وخلاص!
وانفجرت:
مستفيدين؟! باخد فراخ من الجمعية التعاونية بتاعة الوزير كمال رمزي استينو؟! إيه المخ ده؟!! عقلك ترالاللي..إنت تعلم أني لم أكن في عهد عبد الناصر أصلًا.. إنت موقفك سياسي، بينما موقفنا وطني..انت تتربص بعهد وندام ورئيس ..ونحن نرفض تقديم تبرعات مجانية للعدو.. نرفض مساعيكم ومساعيهم لنقل روح الإحباط جيلًا وراء جيل، وهو هدف خبيث خسيس تدعمونه في غيبوبة عقلية كاملة.. ننظر وأنتم تتحدثون عن الخسائر.. اليابان وڤيتنام.. الأولى اتنين نووي وتوقيع استسلام، ولا ترى واحدًا يتحدث عن الماضي.. بينما ڤيتنام مُسحت من على الخريطة تمامًا، والخسائر اضرب في مائة ضعف خسائرنا، ولا تجد واحدًا يتحدث عن الماضي.. أنتم تربية الإعلام الإخواني..
حاول مقاطعتي، فقاطعته واستأنفت حديثي:
إنت لسه هتقولي إنك مش إخوان.. هو كل كارهي عبد الناصر أغبياء كده؟! لم أقل إنك إخواني.. قلت تأثرتم بإعلام الإخوان.. لكنه الفرق بين النخب المتقدمة التي تسحب شعوبها إلى الأمام.. إلى التقدم.. وبين النخب الضائعة التائهة الموبوءة المثقوبة.. والتي تسحب شعوبها إلى الخلف.. إلى التخلف!
قال:
الحمد لله خلصنا..
قلت:
لا.. هذا كلام افتتاحي.. البعض يحتاج إلى التوبيخ بالاسم..وربما ما هو أكثر.. وسنفعل!