الأوبرا المصرية والفرنسية.. محطات من التعاون الثقافي والفني المشترك
عقدت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، خلال زيارتها إلى العاصمة الفرنسية باريس، لقاءً مع كلارا واغنر، المسؤولة عن العلاقات المؤسسية والدولية بمدينة الموسيقى ـ أوركسترا باريس، إلى جانب رئيسة الكونسرفاتوار الوطني الفرنسي، لبحث سبل تعزيز التعاون الثقافي والفني بين مصر وفرنسا، وركزت المباحثات على تطوير الشراكات في مجالات الموسيقى والتعليم الفني وتبادل الخبرات بين المؤسسات الثقافية، انطلاقًا من الدور الذي تلعبه الفنون في تعزيز الحوار بين الشعوب وترسيخ قيم التفاهم والتقارب الثقافي.
وتأتي هذه اللقاءات امتدادًا لعلاقات ثقافية وفنية ممتدة بين مصر وفرنسا، شهدت خلال السنوات الماضية العديد من المبادرات والفعاليات المشتركة بين دار الأوبرا المصرية ونظيرتها الفرنسية، وأسهمت في بناء جسور من التواصل الفني بين البلدين، سواء من خلال الحفلات الموسيقية أو برامج التبادل الثقافي أو المشاركة في الفعاليات الدولية الكبرى.
تضامن فرنسي مع الأوبرا المصرية
تُعد أزمة دار الأوبرا المصرية عام 2013 واحدة من أبرز المحطات التي عكست عمق العلاقات بين المؤسستين الثقافيتين في مصر وفرنسا، ففي ذلك الوقت أعلنت دار الأوبرا الفرنسية، إلى جانب دار الأوبرا في براغ، تضامنهما الكامل مع العاملين في دار الأوبرا المصرية، وذلك على خلفية قرار وزير الثقافة الأسبق الدكتور علاء عبد العزيز بإنهاء ندب الدكتورة إيناس عبد الدايم من رئاسة الأوبرا المصرية.
ولم يقتصر الأمر على بيانات الدعم والتأييد، بل اتخذت المؤسستان خطوة رمزية لافتة تمثلت في تعليق أنشطتهما الفنية لمدة ثلاثة أيام، في رسالة واضحة تؤكد أهمية استقلال المؤسسات الثقافية والفنية ورفض التدخل في عملها، وقد اعتُبر هذا الموقف واحدًا من أبرز صور التضامن الثقافي الدولي مع الأوبرا المصرية خلال تلك الفترة، وعكس المكانة التي تحظى بها المؤسسة المصرية داخل الأوساط الفنية العالمية.
عروض موسيقية جمعت فنانين من مصر وفرنسا
واصلت العلاقات الفنية بين الجانبين تطورها خلال السنوات الأخيرة من خلال عدد من الفعاليات المشتركة التي جمعت فنانين وموسيقيين من البلدين، ومن أبرز هذه المحطات الحفل الذي استضافته دار الأوبرا المصرية في فبراير 2024 بالتعاون مع جمعية «لي كورد كروازيه» الفرنسية ومؤسسة «أوتار سفارس»، بمشاركة مجموعة من العازفين المصريين والفرنسيين والصينيين.
وتضمن الحفل برنامجًا موسيقيًا متنوعًا ضم أعمالًا لكبار المؤلفين العالميين مثل فيفالدي ورافيل وديبوسي وباخ وهنري كاساديسو، إلى جانب عدد من المؤلفات المصرية التي عكست ثراء التراث الموسيقي المحلي، وشكلت هذه الفعالية نموذجًا ناجحًا للتبادل الثقافي، حيث أتاحت للجمهور فرصة الاستماع إلى مدارس موسيقية مختلفة داخل عرض فني واحد، كما ساهمت في تعزيز الحوار الفني بين الموسيقيين من مختلف الجنسيات والخلفيات الثقافية.
دور المؤسسات الفرنسية في تعزيز التبادل الثقافي
لعبت المؤسسات والجمعيات الثقافية الفرنسية دورًا مهمًا في دعم التعاون مع مصر خلال السنوات الماضية، ومن بينها جمعية «لي كورد كروازيه» التي تأسست عام 2019 بهدف تعزيز الروابط الثقافية والفنية بين فرنسا والعالم العربي، وتسعى الجمعية إلى تنظيم الحفلات الموسيقية وورش العمل والأنشطة التدريبية التي تجمع بين الفنانين الشباب والمحترفين من مختلف الدول.
كما تعمل الجمعية على تنفيذ مشروعات ثقافية مشتركة تسهم في نقل الخبرات وتبادل التجارب الفنية، وهو ما انعكس في عدد من الفعاليات التي استضافتها القاهرة خلال السنوات الأخيرة، وقد ساهمت هذه الجهود في توسيع آفاق التعاون بين المؤسسات الثقافية المصرية والفرنسية، وتعزيز حضور الفنون بوصفها وسيلة فعالة للتواصل بين الشعوب.
أم كلثوم في باريس
وفي فبراير 2025 شهد التعاون الثقافي بين البلدين محطة بارزة أخرى، عندما توجهت بعثة دار الأوبرا المصرية برئاسة الدكتورة لمياء زايد إلى فرنسا للمشاركة في الاحتفالية الكبرى التي أقيمت بمناسبة الذكرى الخمسين لرحيل كوكب الشرق أم كلثوم على مسرح «فيليهارموني دو باريس».
وحظيت الاحتفالية باهتمام جماهيري وثقافي واسع، حيث قدمت مجموعة من أشهر أعمال أم كلثوم أمام جمهور فرنسي وأوروبي، في مناسبة أكدت استمرار تأثير الفنانة الراحلة على الأجيال المتعاقبة داخل العالم العربي وخارجه، كما عكست الاحتفالية الدور الذي تؤديه دار الأوبرا المصرية في الحفاظ على التراث الموسيقي العربي والتعريف به في المحافل الدولية، بما يسهم في تعزيز الحضور الثقافي المصري على الساحة العالمية.
تمثل اللقاءات الأخيرة التي عقدتها وزيرة الثقافة في باريس خطوة جديدة نحو توسيع نطاق التعاون بين المؤسسات الثقافية المصرية والفرنسية خلال المرحلة المقبلة، فإلى جانب تبادل العروض الفنية والحفلات الموسيقية، تتجه الجهود نحو تعزيز التعاون في مجالات التدريب والتعليم الفني وتطوير البرامج الثقافية المشتركة، بما يتيح فرصًا أكبر أمام الفنانين والمبدعين في البلدين.
وتؤكد هذه المحطات المتتالية أن العلاقات بين الأوبرا المصرية والفرنسية لم تقتصر على الفعاليات الموسيقية فقط، بل امتدت لتشمل دعمًا متبادلًا وتعاونًا مؤسسيًا وثقافيًا يعكس عمق الروابط بين مصر وفرنسا،كما تبرز أهمية الثقافة والفنون كأحد أهم الجسور التي تجمع بين الشعوب وتسهم في ترسيخ قيم الحوار والانفتاح والتفاهم المشترك.