ذكرى ميلاد هنري بركات شاعر السينما الكلاسيكية ورائد الواقعية الرومانسية
تحل اليوم ذكرى ميلاد المخرج والمنتج المصري هنري بركات، أحد أبرز أعمدة العصر الذهبي للسينما المصرية والعربية، والذي لقب بشاعر السينما ومخرج العواطف، فعلى مدار أكثر من نصف قرن، قدم بركات سينما تميزت بالعمق الإنساني والبراعة التقنية والقدرة الفائقة على تحويل الروايات الأدبية المعقدة إلى روائع بصرية تخاطب الوجدان، تاركا بصمة خالدة شكلت وجدان أجيال من عشاق الفن السابع.
النشأة والبدايات
ولد هنري أنطون بركات في 11 يونيو 1914 بحي شبرا العريق بالقاهرة، لعائلة من أصل لبناني، ونشأ في بيئة تقدر الثقافة، وحصل على ليسانس الحقوق، مما منحه خلفية منظمة في فهم أبعاد النفس البشرية والقضايا المجتمعية، إلا أن شغفه الحقيقي كان كامنا في الفن السينمائي.
توجه بركات إلى باريس في ثلاثينيات القرن الماضي لاستكمال دراسة الحقوق، وهناك دفعه شغفه بالسينما إلى ترك الحقوق ودراسة الإخراج وتكنيك السينما في أحد المعاهد الفرنسية، حيث تأثر بالسينما الفرنسية الكلاسيكية وخاصة تيارات الواقعية الشاعرية، وبعد عودته إلى مصر، بدأ مسيرته المهنية كمساعد مخرج ومونتير، حيث صقل موهبته في غرف المونتاج التي منحته حسا إيقاعيا صارما ظهر جليا في أعماله اللاحقة، وكانت بدايته الإخراجية عام 1942 بفيلم "الشريد"، الذي أعلن عن ميلاد مخرج يمتلك رؤية مغايرة وسرعان ما لفت إليه الأنظار.
المحطات الفنية
تميزت مسيرة بركات بغزارة الإنتاج وتنوعه، حيث أخرج ما يقارب المائة فيلم، تراوحت بين الدراما الاجتماعية، والرومانسية النفسية والكوميديا الاستعراضية، وكان من أكثر المخرجين نجاحا في تحويل النصوص الأدبية إلى شاشة السينما، وتحديدا أعمال عميد الأدب العربي طه حسين، وتجلى هذا النجاح في فيلمين من أيقونات السينما المصرية، هما دعاء الكروان عام 1959، الذي يعد من أفضل ما أنتجته السينما العربية، حيث ناقش قضية الثأر والشرف في صعيد مصر برؤية بصرية ساحرة وأداء عبقري لفاتن حمامة وأحمد مظهر، والحرام عام 1965 والمأخوذ عن رواية يوسف إدريس، والذي سلط الضوء على معاناة عمال التراحيل وواقع القرية المصرية بشكل واقعي صادم، ونال إشادة عالمية في مهرجان "كان" السينمائي.
وارتبط اسم هنري بركات بالفنانة فاتن حمامة في شراكة فنية أسفرت عن نحو 18 فيلما، شكلت قوام السينما الرومانسية والاجتماعية الجادة، من أبرزها "الحب الضائع" و"أفواه وأرانب" الذي ناقش أزمة الانفجار السكاني والفقر و"ليلة القبض على فاطمة" الذي مزج بين البعد الوطني والإنساني.
ولم تقتصر موهبة بركات على الدراما الثقيلة، بل كان صانعا للأفلام الغنائية الراقية، حيث تعاون مع كبار مطربي العصر مثل فريد الأطرش في مجموعة من أنجح أفلامه مثل "عفريتة هانم" و"لحن الخلود"، ومع عبد الحليم حافظ في فيلم "بنات اليوم"، كما أخرج للأخوين رحباني والفنانة فيروز فيلمي "بياع الخواتم" و"سفر برلك" في لبنان، مما أضفى على مسيرته بعدا عربيا وإقليميا خالصا.
واتسم أسلوب هنري بركات بالسهولة الممتنعة، فقد كان يبتعد عن الاستعراض البصري الفج لصالح التدفق السلس للقصة، وتميزت كادراته بالشاعرية والهدوء، كما عرف بقدرته الفائقة على توجيه الممثلين وإخراج طاقات تعبيرية كامنة منهم، معتمدا على سيناريوهات محكمة البناء يغلب عليها الطابع الإنساني والانحصار في قضايا المرأة والعدالة الاجتماعية.
التكريمات والرحيل
نال بركات تقديرا واسعا خلال حياته، فحصل على جائزة الدولة التقديرية في الفنون من المجلس الأعلى للثقافة بمصر، وتم تكريمه في العديد من المهرجانات الدولية كمهرجانات "كان" و"مونتريال" والقاهرة السينمائي الدولي.
وفي 27 مايو 1997، رحل هنري بركات عن عالمنا تاركا وراءه إرثا سينمائيا ضخما، وما زالت أفلامه نموذجا حيا للسينما التي تجمع بين القيمة الفنية العالية والقبول الجماهيري الواسع، ليظل اسمه محفورا كواحد من أهم صناع الثقافة العربية الحديثة.