من أستاذ جامعى إلى وزير التعليم العالي: الجامعات في حالة "موت سريري"
وجه الدكتور كمال نجيب، الأستاذ بكلية التربية جامعة الإسكندرية، خطابًا مفتوحًا إلى الدكتور عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وصف فيه أوضاع الجامعات المصرية بأنها تمر بمرحلة "احتضار وموت سريري"، مطالبًا بإطلاق خطة إنقاذ عاجلة لإعادة بناء منظومة التعليم الجامعي واستعادة دورها في إنتاج المعرفة وصناعة الوعي.
وأكد نجيب أن الجامعات المصرية فقدت جزءًا كبيرًا من رسالتها الأكاديمية خلال السنوات الأخيرة، وتحولت – بحسب وصفه – إلى مؤسسات تدار بمنطق التسيير الإداري اليومي، بعيدًا عن دورها التاريخي في البحث العلمي والتنوير وبناء العقل النقدي.
التدخلات الأمنية واستقلال الجامعة
واعتبر صاحب المذكرة أن التدخلات فى شئون الجامعات تمثل واحدة من أخطر الأزمات التي تواجهها ، مشيرًا إلى ما وصفه بوجود اشتراطات وموافقات مسبقة تتعلق بالبحوث العلمية والسفر للمؤتمرات واستضافة الباحثين، فضلًا عن تأثيرها على اختيار القيادات الجامعية.
وطالب بعودة نظام الانتخاب المباشر لرؤساء الجامعات والعمداء ورؤساء الأقسام، باعتباره – من وجهة نظره – ضمانة لاستقلال المؤسسة الأكاديمية وتعزيز الحرية العلمية.
أزمة التشريعات والهيمنة الإدارية
كما انتقد استمرار العمل بقانون تنظيم الجامعات الصادر عام 1972 دون تطوير شامل يتناسب مع التحولات التي شهدها قطاع التعليم العالي، معتبرًا أن الجامعات أصبحت تخضع لعدد كبير من القرارات واللوائح التنفيذية التي أضعفت دور المجالس الأكاديمية ومجالس الأقسام.
ودعا إلى إعداد قانون جديد لتنظيم الجامعات يكرس الاستقلال المالي والإداري والأكاديمي، ويعيد رسم العلاقة بين الجامعات والمجلس الأعلى للجامعات.
انتقادات للخصخصة والبرامج المميزة
وتضمنت المذكرة انتقادات للتوسع في البرامج التعليمية ذات المصروفات المرتفعة داخل الجامعات الحكومية، معتبرة أنها تخلق حالة من التفاوت بين الطلاب وفقًا لقدراتهم المادية.
كما حذر من ربط دور الجامعة بشكل كامل بمتطلبات سوق العمل، مؤكدًا أهمية الحفاظ على العلوم الإنسانية والاجتماعية والفلسفية باعتبارها جزءًا أساسيًا من بناء الوعي المجتمعي.
البحث العلمي والمناهج
وأشار نجيب إلى ما وصفه بتراجع جودة البحث العلمي وتحوله في كثير من الأحيان إلى وسيلة للترقي الوظيفي أكثر من كونه أداة لإنتاج المعرفة وحل المشكلات المجتمعية.
وأكد أن المناهج الدراسية تعاني من الجمود والاعتماد على الحفظ والتلقين، مطالبًا بزيادة الإنفاق على المعامل والمختبرات والمكتبات العلمية، وربط الترقيات الأكاديمية بجودة الإنتاج العلمي وتأثيره الفعلي.
الحركة الطلابية والمجال العام
وتطرقت المذكرة إلى أوضاع الأنشطة الطلابية داخل الجامعات، معتبرة أن الحركة الطلابية والثقافية شهدت تراجعًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، ما انعكس على مستوى المشاركة والحوار داخل الحرم الجامعي.
ودعت إلى مراجعة اللوائح المنظمة للأنشطة الطلابية، وتوسيع مساحة الندوات والفعاليات الفكرية والثقافية بما يسهم في تنمية الوعي والمهارات القيادية لدى الطلاب.
أوضاع أعضاء هيئة التدريس
وفي المحور الأخير، تناول الخطاب الأوضاع المالية والاجتماعية لأعضاء هيئة التدريس، مؤكدًا أن تراجع القوة الشرائية للرواتب أدى إلى ضغوط معيشية كبيرة انعكست على العملية التعليمية والبحثية.
وطالب بإعادة هيكلة أجور أعضاء هيئة التدريس، وزيادة مخصصات التعليم الجامعي والبحث العلمي، وتوفير مظلة حماية اجتماعية وصحية تضمن حياة كريمة للأستاذ الجامعي.
واختتم الدكتور كمال نجيب خطابه بالتأكيد على أن هدف المذكرة ليس مجرد رصد المشكلات، وإنما التحذير من المخاطر التي تهدد مستقبل التعليم الجامعي الحكومي في مصر، داعيًا إلى تبني مشروع إصلاح شامل يعيد للجامعة دورها في إنتاج المعرفة وبناء الإنسان والمساهمة في تحقيق التنمية الوطنية.


