رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من مقدونيا إلى شاشات هوليوود.. الإسكندر الأكبر بين التاريخ وسحر السينما

الإسكندر الأكبر
الإسكندر الأكبر

تحل اليوم ذكرى رحيل الإسكندر الأكبر الذي يعد واحدا من أكثر الشخصيات التاريخية إثارة للجدل والفضول على مر العصور، ففي غضون اثني عشر عاما فقط، نجح هذا القائد الشاب في تغيير خارطة العالم القديم بالكامل، وبناء إمبراطورية شاسعة امتدت من سواحل اليونان حتى حدود الهند، هذا المزيج الفريد بين العبقرية العسكرية والشخصية الدرامية المعقدة، جعل منه مادة خصبة لمؤرخي العصور القديمة، وملهما لصناع السينما العالمية الذين حاولوا نقل أسطورته من بطون الكتب إلى شاشات العرض.

 

عبقرية عسكرية غيرت التاريخ

 

ولد الإسكندر الثالث المقدوني عام 356 قبل الميلاد في مدينة بيلا، عاصمة مملكة مقدونيا القديمة، ونشأ في بيئة زاخرة بالتحديات؛ فوالده هو الملك فيليب الثاني الذي وحد الممالك اليونانية، ووالدته هي الملكة أوليمبياس التي غرزت في نفسه طموحا يفوق البشر، ولم تكن نشأة الإسكندر عسكرية فحسب، بل حظي بتعليم فلسفي وثقافي رفيع على يد الفيلسوف اليوناني الشهير أرسطو، مما شكل وعيه ورؤيته للعالم.

عقب اغتيال والده عام 336 قبل الميلاد، تولى الإسكندر العرش وهو في سن العشرين، سرعان ما أثبت قدرته الاستثنائية على القيادة، فثبت أركان حكمه في اليونان قبل أن يتوجه نحو هدفه الأكبر، غزو الإمبراطورية الفارسية الأخمينية العدو التقليدي لليونانيين، وانطلقت حملته العسكرية عام 334 قبل الميلاد، وحقق سلسلة من الانتصارات الأسطورية في معارك حاسمة مثل "إيسوس" و"جوجميلا"، حيث هزم الملك الفارس داريوس الثالث بالرغم من التفوق العددي الكبير للجيوش الفارسية.

ولم يتوقف طموح الإسكندر عند إسقاط فارس، بل قاد جيوشه نحو مصر، حيث أسس مدينة الإسكندرية لتصبح مركزاً ثقافيا عالميا، ثم زحف شرقا عبر آسيا الوسطى حتى وصل إلى حدود الهند، وتميزت استراتيجيته العسكرية بالسرعة والمفاجأة والقدرة على التكيف مع مختلف التضاريس والخصوم، ولم يهزم في معركة قط.

لكن هذه الرحلة الطويلة انتهت فجأة في بابل، حيث تشير المصادر التاريخية المتواترة إلى أن الإسكندر الأكبر رحل عن عالمنا وهو في الثانية والثلاثين من عمره فقط، جراء حمى غامضة وشديدة داهمته بعد ليلة احتفال صاخبة، تاركاً خلفه إرثا ثقافيا ضخما تمثل في دمج الثقافة الإغريقية بالثقافات الشرقية، وهو ما عرف تاريخيا بالعصر الهيلينيستية.

 

تجسيد الشخصية في السينما والدراما العالمية

 

هذه السيرة الملحمية، المليئة بالصراعات النفسية والمعارك الضخمة والنهاية المفاجئة في أوج المجد، كانت مثيرة للغاية لصناع السينما عبر التاريخ، وقد حاولت عدة أعمال رائدة تجسيد هذه الشخصية بمقاربات مختلفة، ففي عام 1956، قدم المخرج روبرت روسين فيلم  "Alexander the Great"  من بطولة النجم البريطاني ريتشارد برتون، والذي ركز على الجوانب السياسية والعسكرية لنشأة الإسكندر، واستعرض الصراع الفكري بين الهوية المقدونية واليونانية، وتميز بالطابع الحواري الرصين والالتزام بتقديم ملحمة هوليوودية تقليدية تناسب حقبة الخمسينيات.

وفي عام 2004، قدم المخرج العالمي أوليفر ستون أضخم إنتاج سينمائي تناول الشخصية في فيلم "Alexander"، حيث جسد النجم الأيرلندي كولين فاريل دور القائد المقدوني، وتميز هذا الفيلم بتقديم معارك تاريخية بدقة بصرية مذهلة، كمعركة جوجميلا ومعركة الهيداسبس ضد الفيلة الهندية، ومع ذلك، ركز ستون بشكل مكثف على الجوانب النفسية والدرامية المعقدة للإسكندر، مستعرضا علاقته المضطربة بوالديه (فال كيلمر وأنجلينا جولي) وصراعاته الداخلية مع قواده، وحتى لحظات مرضه الأخير ووفاته في بابل، مما جعل الفيلم يواجه انقساما نقديا حادا وقت عرضه.

أما في العصر الرقمي الحديث، فقد اتجهت الدراما نحو دمج التمثيل بالتوثيق، حيث قدمت منصة "نتفليكس" عام 2024 السلسلة الوثائقية الدرامية "Alexander: The Making of a God"، وجسد فيه الممثل باك بليثويل دور الإسكندر، وركز العمل على الصعود السريع للشاب المنفي وتحليل تكتيكاته العسكرية من خلال آراء المؤرخين المعاصرين، مما قدم رؤية متوازنة تجمع بين متعة الدراما ودقة الوثائقي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء