رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تنظيم السوق العقاري المصري.. ما بعد جذب المليارات

الكاتب الصحفي محمود
الكاتب الصحفي محمود الصباغ

هناك خطأ شائع تقع فيه الاقتصادات النامية، وهو الاعتقاد بأن النجاح يبدأ عندما تتدفق الأموال من الخارج، والحقيقة أن الأموال لا تصنع التنمية بمفردها، بل قد تتحول أحيانًا إلى مجرد أرقام ضخمة تزين التقارير الاقتصادية إذا لم تجد بيئة قادرة على تحويلها إلى قيمة حقيقية داخل الاقتصاد.

هذا السؤال عاد إلى ذهني وأنا أتابع المناقشات الجارية حول تنظيم السوق العقاري المصري، فبعيدًا عن تفاصيل القوانين والتشريعات، يبدو أننا أمام قضية أكبر تتعلق بمستقبل أحد أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد، وبكيفية تحقيق التوازن بين الاستثمار الأجنبي وريادة الأعمال المحلية.

خلال السنوات الأخيرة أثبتت مصر أنها تمتلك قدرة كبيرة على جذب الاستثمارات العقارية، ولعل صفقة رأس الحكمة، التي بلغت قيمتها 35 مليار دولار، كانت الدليل الأوضح على ذلك، فقد أعادت الصفقة الثقة إلى المستثمرين الدوليين، ووفرت سيولة أجنبية مهمة للاقتصاد، ورسخت مكانة السوق المصرية باعتبارها واحدة من أكبر أسواق العقارات في المنطقة.

لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: هل نستطيع جذب المستثمر الأجنبي؟ لأن الإجابة أصبحت معروفة بالفعل، السؤال الأهم هو: ماذا بعد؟
في رأيي، التحدي الحقيقي لم يعد في استقطاب الأموال، بل في تعظيم الاستفادة منها، فالعقار ليس مجرد أبراج سكنية أو مشروعات سياحية أو مدن جديدة، بل منظومة اقتصادية متكاملة تمتد آثارها إلى عشرات القطاعات الأخرى، من المقاولات ومواد البناء إلى الخدمات المالية والتكنولوجيا والتسويق.

لذلك فإن أي استثمار أجنبي جديد يجب ألا ينظر إليه باعتباره غاية في حد ذاته، بل باعتباره فرصة لبناء قدرات محلية أقوى. فالاقتصادات التي نجحت في تحقيق قفزات تنموية لم تعتمد فقط على رؤوس الأموال القادمة من الخارج، وإنما نجحت في تحويلها إلى شركات وطنية أكثر تنافسية، ووظائف ذات قيمة مضافة أعلى، وخبرات تنتقل إلى السوق المحلية.

ومن هنا تبرز أهمية تنظيم السوق العقاري في هذه المرحلة. فالتنظيم ليس عائقًا أمام الاستثمار كما يعتقد البعض، بل هو أحد أهم شروط استدامته. المستثمر يبحث عن الوضوح، والمطور يحتاج إلى قواعد مستقرة، والمواطن يريد سوقًا أكثر شفافية وعدالة، وكلما اقتربت الدولة من تحقيق هذه المعادلة، زادت قدرة القطاع على النمو بصورة صحية.

الأمر اللافت أيضًا أن مستقبل العقار المصري لن يتحدد فقط من خلال المشروعات العملاقة، بل من خلال الشركات الناشئة التي بدأت تعيد تعريف القطاع بالكامل، فنجاح شركات التكنولوجيا العقارية، مثل "ناوي" التي جذبت تمويلات ضخمة خلال العام الماضي، يكشف عن وجه جديد للنمو لا يعتمد على الخرسانة وحدها، بل على البيانات والتكنولوجيا والابتكار.

وهنا أعتقد أن الفرصة الأكبر أمام مصر تكمن في الجمع بين المسارين، فلدينا استثمارات أجنبية قادرة على تمويل التوسع العمراني، ولدينا رواد أعمال قادرون على تطوير حلول تكنولوجية تجعل هذا التوسع أكثر كفاءة وشفافية وربحية، المشكلة ليست في نقص الفرص، بل في كيفية الربط بينها.

لا تقاس قوة السوق العقاري بعدد المليارات التي تدخل إليه، بل بقدرته على تحويل هذه المليارات إلى قيمة اقتصادية مستدامة، وقد يكون النجاح الحقيقي خلال السنوات المقبلة هو أن تصبح كل صفقة استثمارية جديدة فرصة لولادة شركة مصرية جديدة، وكل مشروع عقاري كبير منصة لنقل المعرفة والتكنولوجيا وخلق فرص العمل.

فالعقار في جوهره ليس قصة مبانٍ تُشيَّد، بل قصة اقتصاد يُبنى، وبين الاستثمار الأجنبي وريادة الأعمال المحلية، أعتقد أن مصر لا تحتاج إلى الاختيار بينهما، بل تحتاج إلى بناء الجسر الذي يربط أحدهما بالآخر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء