تعود أزمة مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط إلى الواجهة مجددًا، وسط حالة من الجدل المتصاعد حول مصير دورته المقبلة، وما أُثير بشأن الإجراءات التنظيمية والترخيص، في ظل غياب بيان رسمي واضح وحاسم من وزارة الثقافة حتى الآن. هذا الغياب للرواية الرسمية فتح الباب أمام مساحة واسعة من التأويلات والتفسيرات المتباينة، في وقت تتسارع فيه المعلومات المتداولة عبر الإعلام والسوشيال ميديا دون انتظار التحقق الكامل.
ما بين تصريحات تشير إلى أن ما جرى لا يزال في إطار التوصيات أو المناقشات الداخلية، وبين تأكيدات من داخل إدارة المهرجان بعدم تلقي أي إخطار رسمي يفيد بإلغاء أو تعطيل الدورة، يتشكل مشهد ضبابي يضع الجمهور والمتابعين أمام روايات متعددة يصعب حسمها في غياب مصدر رسمي مباشر يوضح الصورة كاملة.
وفي سياق أكثر اتساعًا، لا يمكن فصل هذه الأزمة عن التراكمات التي شهدها مهرجان الإسكندرية خلال السنوات الماضية، سواء على مستوى التنظيم أو آليات الإدارة أو الجدل المتكرر حول التطوير والاستمرارية. هذه التراكمات جعلت كل أزمة جديدة تُقرأ داخل سياق ممتد، لا كحدث منفصل، بل كجزء من حالة عامة تتطلب مراجعة أوسع لطريقة إدارة المهرجانات الثقافية.
وفي الوقت نفسه، فإن الاعتماد المتزايد على منصات التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للأخبار، ساهم في تسريع تداول المعلومات، لكنه في المقابل زاد من صعوبة التمييز بين ما هو مؤكد وما هو متداول، وهو ما يعمق حالة الالتباس ويجعل المشهد أكثر حساسية، خاصة في الملفات الثقافية التي تمس صورة الدولة وقوتها الناعمة.
الأمر لا يتعلق بمهرجان واحد فقط، بل يمتد ليشمل مشهد المهرجانات السينمائية في مصر بشكل عام، حيث شهدت السنوات الأخيرة حالات توقف وتأجيل وغياب لبعض الفعاليات، إلى جانب محاولات لإعادة الإحياء أو إعادة الهيكلة، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول وجود رؤية استراتيجية واضحة ومستقرة لإدارة هذا القطاع الحيوي.
وفي هذا الإطار، يظل السؤال المطروح بإلحاح: كيف تُدار هذه المنظومة في ظل تعدد الجهات ذات الصلة، بين وزارة الثقافة، واللجان التنظيمية، والجهات الرقابية، والكيانات الأهلية المنظمة؟ وكيف يمكن تحقيق توازن بين استقلالية هذه المهرجانات من جهة، وضمان الشفافية والمساءلة من جهة أخرى؟.
إن المشكلة الأساسية لا تكمن في اختلاف وجهات النظر أو تعدد القراءات، فهذا أمر طبيعي في أي ملف عام، لكن الإشكال الحقيقي يظهر عندما يغيب البيان الرسمي الحاسم، ويتحول الفراغ المعلوماتي إلى مساحة مفتوحة للتكهنات، بما يضعف الثقة ويؤثر على استقرار المشهد الثقافي ككل.
كما أن استمرار حالة الغموض دون توضيح رسمي سريع، لا يضر بطرف دون آخر، بل ينعكس على المنظومة بأكملها، ويؤثر على صورة المهرجانات باعتبارها أحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية، التي تراكمت عبر عقود من العمل الثقافي والفني.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح المطلوب بشكل عاجل ليس فقط اتخاذ قرارات إدارية، بل إعلانها بوضوح، وتفسير أسبابها للرأي العام، عبر خطاب رسمي مباشر من الجهات المعنية، وفي مقدمتها وزارة الثقافة، بما يضع حدًا لحالة الجدل ويعيد ضبط النقاش العام على أسس من الشفافية.
فالمهرجانات السينمائية ليست مجرد فعاليات موسمية، بل هي مساحة لصناعة الصورة الثقافية لمصر، وأي اضطراب في إدارتها أو غياب في وضوح التواصل بشأنها، ينعكس بشكل مباشر على هذه الصورة.
وفي النهاية، يبقى جوهر الأزمة الحقيقي ليس في تعدد الروايات، بل في غياب الرواية الرسمية الواحدة الواضحة، التي تفصل بين ما هو مؤكد وما هو متداول، وتعيد الثقة إلى المشهد، وتضع حدًا لحالة الصمت التي تترك المجال مفتوحًا أمام التأويلات.
وحتى يحدث ذلك، سيظل السؤال قائمًا: هل ننتظر بيانًا رسميًا يعيد ترتيب الصورة… أم يظل المشهد رهينة لصراع الروايات؟.