رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قبل نجمات الفوازير والاستعراض.. نيللي مظلوم صنعت الطريق أولًا

نيللي مظلوم
نيللي مظلوم

في ذكرى ميلاد الفنانة الراحلة نيللي مظلوم، يتجدد الحديث عن واحدة من أبرز رائدات فن الاستعراض والباليه في مصر والعالم العربي، والتي لعبت دورًا محوريًا في تأسيس هذا اللون الفني وتطويره خلال فترة مبكرة من تاريخ الفن المصري. ورغم أن اسمها لا يحظى بالانتشار نفسه الذي تحظى به بعض نجمات الأجيال اللاحقة، فإن بصمتها الفنية ظلت حاضرة باعتبارها من أوائل الفنانات اللاتي جمعن بين الرقص الاستعراضي والتمثيل والإخراج والتدريب الفني.

واستطاعت نيللي مظلوم أن تفرض حضورها في فترة كانت تشهد تحولات كبيرة في المشهد الفني المصري، لتصبح واحدة من الشخصيات التي ساهمت في ترسيخ مفهوم الفنان الشامل القادر على تقديم أكثر من لون فني في الوقت نفسه.

من القاهرة إلى خشبة المسرح.. انطلاقة موهبة استثنائية

وُلدت نيللي مظلوم في القاهرة في 9 يونيو عام 1929، ونشأت في بيئة ساعدتها على تنمية موهبتها الفنية منذ سنواتها الأولى. وأبدت اهتمامًا واضحًا بفنون الحركة والرقص، الأمر الذي دفعها إلى دراسة الباليه بشكل أكاديمي في وقت لم يكن هذا الفن قد انتشر بعد داخل المجتمع المصري بالشكل المعروف حاليًا.

ومع بداية مشوارها، لفتت الأنظار بقدرتها على المزج بين المهارة الفنية والحضور المسرحي، لتبدأ في تقديم عروض استعراضية مختلفة جعلتها من الوجوه الواعدة في ذلك الوقت. وسرعان ما تحولت إلى واحدة من الأسماء المرتبطة بفنون الاستعراض الحديثة، مستفيدة من ثقافتها الفنية وخبرتها الواسعة في هذا المجال.

رائدة الباليه المصري.. دور يتجاوز التمثيل والاستعراض

لم تكتفِ نيللي مظلوم بالظهور أمام الجمهور كراقصة أو ممثلة، بل لعبت دورًا مهمًا في نشر ثقافة الباليه داخل مصر. فقد أسست مدرسة لتعليم الباليه، لتصبح من أوائل الفنانات اللاتي ساهمن في تقديم هذا الفن بصورة احترافية ومنظمة.

ومن خلال نشاطها التدريبي، ساعدت في إعداد أجيال جديدة من الموهوبين، وأسهمت في تعزيز حضور الباليه كأحد الفنون المعترف بها داخل الساحة الثقافية المصرية. ولهذا لا ينظر إليها النقاد باعتبارها مجرد فنانة استعراضية، بل كإحدى الشخصيات التي وضعت اللبنات الأولى لتطور هذا الفن في مصر.

كما عُرفت بحرصها على تقديم الرقص باعتباره فنًا قائمًا على الدراسة والانضباط والالتزام، وليس مجرد وسيلة للترفيه، وهي رؤية كانت متقدمة بالنسبة إلى تلك المرحلة الزمنية.

السينما تفتح أبواب الشهرة أمام نجمة الاستعراض

بالتوازي مع نجاحها في مجال الاستعراض، خاضت نيللي مظلوم تجربة السينما، حيث شاركت في عدد من الأفلام خلال الخمسينيات والستينيات، وهي الفترة التي شهدت ازدهار الأعمال الغنائية والاستعراضية في مصر.

وظهرت في العديد من الأعمال التي اعتمدت على الفقرات الراقصة والاستعراضات الفنية، واستطاعت أن تترك بصمة خاصة بفضل أسلوبها المختلف وقدرتها على تقديم عروض تجمع بين الأداء الحركي والتمثيل.

وساعدتها هذه المشاركات على الوصول إلى جمهور أوسع، كما عززت مكانتها كواحدة من أبرز نجمات الاستعراض في تلك الحقبة، إلى جانب عدد من الأسماء التي شكلت ملامح الفن الاستعراضي في مصر خلال القرن الماضي.

فنانة متعددة المواهب.. من الرقص إلى الإخراج

لم تتوقف تجربة نيللي مظلوم عند التمثيل والرقص فقط، بل امتدت إلى مجالات أخرى، من بينها تصميم الاستعراضات والإخراج الفني. وقد استفادت من خبرتها الطويلة في تطوير عروض فنية حملت بصمتها الخاصة، سواء داخل السينما أو على خشبة المسرح.

كما عُرفت بقدرتها على دمج التأثيرات الشرقية والغربية في أعمالها، وهو ما منح عروضها طابعًا مميزًا ساهم في تفرّدها عن غيرها من الفنانات في ذلك الوقت.

وكانت من أوائل الفنانات اللاتي تعاملن مع الاستعراض باعتباره عنصرًا دراميًا متكاملًا داخل العمل الفني، وليس مجرد فقرة منفصلة عن الأحداث، وهو ما جعل تجربتها محل اهتمام وتقدير من كثير من المهتمين بتاريخ الفن المصري.

سنوات الغربة.. حضور فني لم ينقطع

في مراحل لاحقة من حياتها، انتقلت نيللي مظلوم للإقامة خارج مصر، لكنها لم تنقطع عن الفن بشكل كامل، حيث واصلت نشاطها في مجالات التدريب والتعليم المرتبطة بالرقص والباليه.

ورغم ابتعادها عن الأضواء لفترات طويلة، فإن تأثيرها ظل قائمًا من خلال تلاميذها وأعمالها الفنية التي وثقت مرحلة مهمة من تاريخ الاستعراض المصري. كما استمرت سيرتها في الظهور داخل الدراسات والكتابات التي تناولت تطور فنون الرقص في العالم العربي.

 مهدت الطريق لأجيال من نجمات الاستعراض

عندما يُذكر تاريخ الاستعراض المصري، يظل اسم نيللي مظلوم حاضرًا باعتبارها واحدة من الشخصيات المؤسسة لهذا الفن. فقد سبقت أجيالًا كاملة من نجمات الاستعراض والفوازير، وأسهمت في ترسيخ قواعد فنية ساعدت على تطور هذا المجال لاحقًا.

ورحلت نيللي مظلوم عام 2003، لكنها تركت وراءها إرثًا فنيًا وثقافيًا مهمًا، جعلها واحدة من أبرز الرائدات اللاتي ساهمن في إثراء الحركة الفنية المصرية. وفي ذكرى ميلادها، يبقى اسمها شاهدًا على تجربة استثنائية لفنانة لم تكتفِ بالنجاح على المسرح والشاشة، بل ساهمت أيضًا في تأسيس وتطوير فن ما زال يحظى بمكانة خاصة في وجدان الجمهور العربي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء