رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الاقتصاد المصري بين الاستثمار الأجنبي وريادة الأعمال المحلية

محمود الصباغ رئيس
محمود الصباغ رئيس قسم الاقتصاد بموقع ايجبتك

في مسيرة الاقتصادات الناشئة، تظل مصر مثالاً حياً للتوتر الدائم بين الاعتماد على التدفقات الخارجية وبناء القدرات الذاتية، فكما يجمع نهر النيل بين مياهه الواردة من المنابع البعيدة وفيضانه الذي يخصب الأرض المحلية، يواجه الاقتصاد المصري اليوم سؤالاً جوهرياً، السؤال هنا هل يكفي جذب المليارات الأجنبية لتحقيق نمو مستدام، أم أن الشركات الناشئة المحلية وقدرتها على الابتكار هي الرهان الحقيقي للمستقبل؟


تجسد صفقة رأس الحكمة مع صندوق أبوظبي السيادي في فبراير 2024 أبرز تجليات هذا المسار، بلغت قيمتها 35 مليار دولار، وساهمت في تعزيز الاحتياطيات النقدية، وتخفيف أزمة العملة الأجنبية، وتمهيد الطريق أمام برنامج صندوق النقد الدولي.


سجلت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر  قفزة تاريخية في السنة المالية 2023/2024 لتصل إلى نحو 46.1 مليار دولار، مقارنة بمتوسط 8-9 مليارات دولار سنوياً في السنوات السابقة، ومع ذلك، انخفضت التدفقات في السنة التالية (2024/2025) إلى حوالي 12.2 مليار دولار، مما يبرز هشاشة الاعتماد على الصفقات الكبرى.


في المقابل، شهدت الشركات الناشئة المصرية انتعاشاً ملحوظاً خلال 2025، جذب القطاع أكثر من 228 مليون دولار في الأشهر الخمسة الأولى من العام، ووصل الإجمالي السنوي إلى حوالي 614 مليون دولار عبر عشرات الصفقات، خاصة في الفنتك والـتكنولوجيا العقارية.


تتميز ريادة الأعمال بقدرتها على خلق وظائف عالية القيمة، ودعم التصدير الرقمي، والابتكار بتكلفة رأس مال أقل، ومع ذلك، تواجه تحديات مثل تراجع التمويل الجريء عالمياً، وتحول اهتمام المستثمرين نحو الربحية بدلاً من النمو السريع.


رغم تحسن المؤشرات الكلية (احتياطيات النقد الأجنبي، انخفاض التضخم نسبياً)، لا يزال القطاع الخاص، وخاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة يعاني من ضعف السيولة، وارتفاع أسعار الفائدة، وصعوبة التمويل، لاسيما أن حجم الاقتصاد غير الرسمي الذي يقدر بنسبة تتراوح بين 30-50% من الناتج المحلي حسب الدراسات، يعيقان ترجمة التحسن الكلي إلى واقع ملموس على أرض الواقع.


يُعد قطاع التكنولوجيا المالية أحد أكثر المجالات واعدة، حيث شهدت المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية نمواً كبيراً، مدعوماً بمبادرات البنك المركزي مثل انستاباي ومبادرة رواد النيل لدعم الشراكان الناشئة، والشمول المالي الذي تجاوز 75% في بعض التقديرات، مقارنة بالإمارات والسعودية وكينيا الرائدة في الموبايل موني، تمتلك مصر ميزة السوق الكبير والشباب، لكنها تحتاج إلى تطوير الإطار التنظيمي أكثر.


لا يعد الاستثمار الأجنبي وريادة الأعمال خيارين متعارضين، بل مكملين، الأول يوفر رأس المال والبنية التحتية ونقل الخبرات، والثاني يضمن الابتكار والقيمة المضافة المحلية والاستدامة، فالدول الناجحة مثل سنغافورة والإمارات نجحت في دمج المسارين.


المعركة الحقيقية ليست بين "رأس الحكمة" والشركات الناشئة، بل في بناء منظومة تحول التدفقات الأجنبية إلى قدرات محلية دائمة، وتدمج الاقتصاد الخفي في المنظومة الرسمية، وتجعل من الفنتك والابتكار محركاً أساسياً للنمو، بهذا التوازن فقط يمكن للاقتصاد المصري أن يحقق نمواً مستداماً يشعر به المواطن والمستثمر والريادي على حد سواء.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء