كيف أصبح إسماعيل أول خديوي لمصر؟ حكاية فرمان 1867 التاريخي
في مثل هذا اليوم من عام 1867، بدأ العمل بفرمان مصر الذي منح حاكم البلاد لقب «الخديوي» بدلًا من لقب «الوالي»، في خطوة شكلت تحولًا مهمًا في تاريخ الإدارة المصرية خلال القرن التاسع عشر، وكان الخديوي إسماعيل أول من حمل هذا اللقب رسميًا، واستمر العمل به في مصر حتى عام 1914 عندما استبدل بلقب السلطان، وجاء الفرمان ليمنح حاكم مصر صلاحيات أوسع في إدارة شؤون البلاد، كما عزز من مكانته السياسية داخل الدولة العثمانية، التي كانت مصر تتبعها اسميًا في ذلك الوقت.
ووفقًا لما نص عليه الفرمان، حصل الخديوي إسماعيل على مزيد من الاستقلال في إدارة الشؤون الداخلية والمالية للدولة، كما أُتيح له عقد المعاهدات الخاصة بالبريد والجمارك وتنظيم حركة الأفراد والبضائع، إلى جانب عدد من الاختصاصات المرتبطة بشؤون الجاليات الأجنبية داخل البلاد، وأسهمت هذه الصلاحيات في منح الإدارة المصرية مساحة أكبر من الحركة والاستقلال مقارنة بما كان معمولًا به خلال الفترات السابقة، وهو ما اعتبر آنذاك تطورًا مهمًا في شكل العلاقة بين مصر والباب العالي.
تسوية لندن نظمت العلاقة بين مصر والدولة العثمانية
وقبل صدور فرمان 1867، كانت الدولة العثمانية تمتلك حق تعيين والي مصر باعتبارها إحدى الولايات التابعة لها، إلا أن صعود محمد علي باشا وبناءه دولة قوية ذات نفوذ عسكري وسياسي كبير أديا إلى تصاعد الخلافات بينه وبين الدولة العثمانية. وخلال تلك الفترة وصلت القوات المصرية إلى مراحل متقدمة من المواجهة مع الدولة العثمانية، الأمر الذي دفع القوى الأوروبية الكبرى إلى التدخل لمنع انهيار التوازن القائم في المنطقة.
وفي عام 1840 فرضت الدول الأوروبية ما عُرف بتسوية لندن، ثم صدرت فرمانات مكملة لها عام 1841 لتنظيم العلاقة بين السلطان العثماني وحكام مصر، ونصت هذه الترتيبات على منح محمد علي وأسرته حق حكم مصر بالوراثة، مع احتفاظ الباب العالي بحق اعتماد الحاكم الجديد من بين أفراد الأسرة، كما تضمنت التسوية عددًا من البنود التي أكدت استمرار السيادة العثمانية، من بينها أن يتسلم الحاكم المصري فرمان تعيينه من الأستانة، وأن تُسك النقود وتُجبى الضرائب باسم السلطان، فضلًا عن اعتبار الجيش المصري جزءًا من المنظومة العسكرية العثمانية.
وفي المقابل، احتفظ حكام مصر بسلطات واسعة داخل البلاد، حيث تولوا إدارة الشؤون الإدارية والمالية والتشريعية، وهو ما أتاح لهم إدارة الدولة بصورة شبه مستقلة، كما ساهمت هذه الترتيبات في تعزيز النفوذ الأوروبي داخل مصر، إذ لعبت الدول الأوروبية دور الوسيط بين الطرفين، واستفادت من الامتيازات الأجنبية لتوسيع مصالحها الاقتصادية والتجارية والثقافية في البلاد خلال تلك المرحلة.
نظام الوراثة
تعاقب على حكم مصر بعد محمد علي عدد من أفراد أسرته، وهم إبراهيم باشا وعباس حلمي الأول وسعيد باشا ثم إسماعيل، ومع اتساع فروع الأسرة الحاكمة، برزت المنافسة على وراثة العرش، الأمر الذي دفع إسماعيل إلى العمل على تعديل قواعد انتقال الحكم بما يضمن استقرار السلطة داخل فرعه المباشر من الأسرة.
ومنذ السنوات الأولى لحكمه، سعى إسماعيل إلى إجراء تعديلات على نظام الوراثة القائم، وتمكن خلال أعوام 1866 و1867 و1873 من الحصول على موافقات رسمية غيرت آلية انتقال العرش، ليصبح من الأب إلى الابن الأكبر بدلًا من انتقاله إلى أكبر أفراد الأسرة سنًا، كما جرى تحديد القواعد المنظمة لتشكيل مجلس وصاية يتولى إدارة شؤون البلاد في حال خلو العرش أو إذا كان الوريث الشرعي قاصرًا.
وإلى جانب تعديل نظام الوراثة، واصل إسماعيل مساعيه للحصول على لقب جديد يعكس مكانة مصر المتنامية داخل الدولة العثمانية، وبعد سلسلة من المفاوضات والاتصالات مع الباب العالي، نجح في الحصول على لقب «الخديوي»، وهو اللقب الذي لم يقتصر عليه وحده، بل شمل ورثته المباشرين أيضًا، وشكل هذا القرار محطة مهمة في تاريخ الحكم المصري، إذ عزز من مكانة الأسرة الحاكمة ورسخ وضعًا إداريًا وسياسيًا جديدًا استمر لعقود، حتى إلغاء اللقب عام 1914 مع دخول مصر مرحلة سياسية مختلفة في ظل الحرب العالمية الأولى.